غربة أشجار النخيل

ماهي الغاية من زراعة الأشجار في مدننا الصحراوية؟ لماذا تتكبد خزانة الدولة مبالغ ضخمة من أجل توفير مياه الري لهذه الأشجار في بيئة شحيحة فيها الموارد المائية؟ اعتقد بأننا نتفق بأن اهم هذه الغايات هو توفير الظل من اشعة الشمس الحارقة للمشاة والسيارات وصد الرياح المحملة بالاتربة وتوفير ملجأ للطيور المحلية والمهاجرة بالإضافة الى توفير مصدر جديد للاكسجين في رئة مدننا المعطوبة بسبب الغازات المنبعثة ليل نهار من عوادم السيارات.
هل تستطيع النخلة مقارنة بباقي الأشجار توفير هذه المتطلبات؟ لا اعتقد ذلك، فتشكيل جذع النخلة وتاجها الأخضر لا يسمح لها بحجب الرياح أو توفير مساحة كبيرة من الظل كما ان الطيور لا تقطن سعفها ولن يبقى الا موضوع تنقية الهواء وهي الخاصية المشتركة التي وهبها الله لفصيلة النبات بشكل عام ولا اعلم ان كانت هناك دراسة علمية توضح حجم امتصاص كل شجرة لغاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله الى الاكسجين ولكنني اعتقد بأن المقارنة لن تكون لمصلحة النخلة مقارنة بباقي الأشجار المحلية المعمرة الأخرى.

تبقة نقطة مهمة خطيرة أخرى يحسبها البعض لمصلحة النخلة بينما هي في حقيقة الأمر تشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة وهو انتاج أشجار النخيل المزروعة على جنبات الشوارع من التمور حيث ان محبي أشجار النخيل يرون ان انتاج النخلة من التمور هو دافع مهم للاستمرار في زراعتها في المدن ولكنهم يتناسون ان هذه التمور تكون متشربة بالغازات المميتة المنبعثة من الوف السيارات التي تمر يوميا امام هذه الأشجار فهذه التمور لا تعد صالحة للاستهلاك الادمي او الحيواني، بالإضافة الى وجود خطة لري الأشجار بالمياه المعالجة مما يفاقهم كمية المخاطر المرتبطة بتناول ثمار الأشجار المرزوعة في الأماكن العامة.

بالإضافة لكل هذا فإن تكلفة الراعية لشجرة النخلة تعد اضعاف تكلفة العناية بالاشجار الاخرى فالنخلة تحتاج الى كمية مياه وتسميد مضاعف مقارنة بباقي الأشجار كما انه لابد من تقليم سعفها كل سنة والقيام بعملية التلقيح يدويا وتنظيف الساحات والشوارع من مخلفات التمور المتساقطة ومن ثم قص العراجين بعد انتهاء موسم التمر وهذه كلها عمليات مكلفة وتتطلب توفير عدد مكثف من العناصر البشرية المؤهلة لتسلق أشجار النخيل بينما باقي الأشجار لا تحتاج الا الى القليل من هذه الخدمات فشجرة الغاف مثلا تستطيع بعد سنوات قليلة من زرعها الاعتماد على نفسها ومد جذورها للبحث عن المياه الجوفية كما ان تقليمها يكون للأغصان السفلى فقط وباستطاعة عامل واحد ان يقلم المئات من هذه الأشجار في يوم واحد.

هنالك قرابة الأربعين الف نخلة في جزيرة ابوظبي وحدها وهذه الأشجار تعد حاليا ثروة مهملة وتشكل ضغط شديدا على موازنة البلدية ولهذا فانني اقترح ان يتم الشروع في خطة لإزالة هذه الأشجار وتوزيعها على المواطنين ليزرعوها في منازلهم ومزارعهم وأن توفر البلدية جزءا من ميزانيتها الحالية للعناية بالنخيل لدعم هذه المزارع وان يتم زراعة الأشجار المحلية الأخرى مثل الغاف والسدر محلها مع الإبقاء على عدد محدد من أشجار النخيل امام الوزرات والهيئات الحكومية كشكل جمالي يرمز الى ارتباط ابن الامارات بماضيه وتاريخه .

أشجار النخيل في مدننا تشعر بالغربة والضيق من التلوث والازدحام وقلة الاهتمام بها وبدأت تنتشر حالات الانتحار بين اشجارها فجأة وكأنها تقول لنا بأنها لم تخلق لحياة المدن وبأنها لم تخلق لكي تكون مجرد شجرة زينة على جنبات شوارعنا، النخلة أم الصحراء يا سادة والام متعودة على العطاء ومتى ما سلبنا منها هذه الصفة بدافع حبنا الأناني لها فإننا نهينها من دون أن ندرك ذلك وندفعها إلى الموت البطيء أمام اعيننا فهل نعيد لها كرامتها؟

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>