من بلاط الشاه الى سجون الثورة

من بلاط الشاه الى سجون الثورة
25 سبب أدت الى سقوط عرش الطاووس

اثار سقوط نظام الشاه في ايران في العام 1979 ونهاية الحكم الملكي الامبراطوري هناك بعد أن دام قرابة ال500 عام من تاريخ ايران الحديث زوبعة عالمية، فالجميع كان يعلم بوجود قلاقل عميقة في ايران ومنذ سنوات ولكن العالم كان يرى الشاه محمد بهلوي كشخص قوي ممسك بزمام الأمور في امبراطوريته وان اجهزته الأمنية قد تغلغت في كافة مفاصل الدولة لتخلق دولة عميقة يصعب تفكيكها او اختراقها ولكن يبدوا ان ايران في عصر الشاه محمد بهلوي وخصوصا في العشر سنوات الأخيرة من فترة حكمه كانت مجرد بعبع كرتوني ينخره السوس من الداخل منذ فترة طويلة وتهاوي فجأة بعد ان ضعفت أساساته.
في كتاب المفكر الإيراني احسان نراغي ” من بلاط الشاه الى سجون الثورة” يعدد لنا الكاتب ومن خلال نقاشه مع الشاه والذي استدعاه لأخذ رأيه حول ما يجري في ايران من مظاهرات متتالية وكيفية معالجتها الأسباب التي يرى انها كانت سببا في اسقاط نظام الشاه. هناك قرابة خمسا وعشرون سببا جعلت عرش الطاووس وما يمثله من قوة وبطش يسقط امام عمامة الخميني وما تمثله من عدالة مجتمعية وعودة الى روح الإسلام، وحاولت تلخيص هذه الأسباب هنا:

1- عدم تقبل الشعب الإيراني لمحمد رضا بهلوي كملك تجري في عروقه الدماء الملكية ولهذا هم يرون انهم غير ملزمون بالطاعة له فوالد محمد بهلوي كان مجرد جنرال في جيش الشاه احمد ميرزا وانقلب على السلالة القاجارية والتي كانت تحكم ايران منذ العام 1779م والى ان اسقطها في العام 1925 واعلن نفسه شاها لإيران، ولهذا ان حكم سلالة عائلة بهلوي لإيران والتي لم تشمل الا الوالد والابن لم يمتد لأكثر من 50 عاما فقط وهي فترة قصيرة لترسيخ صورته كملك من نسل الملوك.
2- هذا النسب الهزيل لمحمد رضا بهلوي خلق عقدة نقص في نفسه وفي نفوس عائلته ولهذا استحلوا ايران وخيراتها وكأنهم يحاولون إطفاء نهمهم للمال والسلطة، فوالده كان يمتلك عند وفاته قرابة ال 7000 قرية واخوته واخواته كانوا يستغلون قربهم من الملك للاستيلاء على كل ما يعجبهم في ايران من ممتلكات وثروات وكانوا يدفعون أجهزة الدولة لمنحهم المزيد من الصلاحيات والمشاريع التي تدر عليهم أموالا طائلة هم وحاشيتهم من دون وجه حق ومن دون فتح المجال للمنافسة والتجارة الحرة
3- اسهم ذلك في خلق طبقة غنية جدا وهي المتصلة بالملك وعائلته وطبقة فقيرة جدا تعيش كالعبيد فوق أراضيها التي استولى عليها الشاه وحاشيته مع سحق الطبقة المتوسطة عن طريق عدم فتح مجالات التجارة والاستثمار امامهم .
4- الاستعراض المبالغ فيه للثروة من قبل العائلة الحاكمة وحاشيتها مما أوغر صدور الايرانين ضدهم بسبب معرفتهم بأن هذه الثروات تم نهبها منهم
5- الفشل الإداري في الحكومات المتتالية التي ادارت شؤون ايران طيلة حكم الشاه محمد بهلوي والتي استمرت ل38 عاما
6- السبب الأول لفشل حكومات ايران كان الطريقة التي ادار فيها الشاه هذه الحكومات وتدخله في كل التفاصيل الدقيقة لإدارة البلاد، كانت الحكومة في عصر الشاه مجرد دمية يحركها كيفما يشاء ويتخلص منها ويحملها المسؤولية عندما تفشل.
7- إقالة رئيس الوزراء محمد مصدق من قبل الشاه بمعاونة أمريكا وبريطانيا. فعندما برز نجم رئيس الوزراء محمد مصدق كشاب ناجح وعصامي تولى رئاسة الوزراء في العام 1952 وكانت خططه تقوم على إعادة سيطرة ايران على ثرواتها الطبيعية ونشر المساواة بين الإيرانيين ونجح في تأميم صناعة النفط وانهاء الاحتكار البريطاني لها ولكن الشاه تنبه إلى خطورة وجود رئيس وزراء محبوب على عرشه فسارع لى التآمر مع الأمريكيين والبريطانين في العملية السرية التي ادارتها وكالة المخابرات الامريكية والتي تعرف ب ” عملية اجاكس ” والتي أدت الى تحريك الغوغاء ضد مصدق في مظاهرات رتبتها أجهزة الشاه بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية لهز صورة مصدق امام الجمهور وتمكين الشاه من اصدار قرار عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية الى ان توفى.
8- ان الطريقة التي عزل فيها الشاة رئيس وزراءه محمد مصدق قد البت الجماهير ضده وباتت تعرف ان حل مشاكلها سيكون بالتخلص من الشاه نفسه لانه سبب المشكلة ولن يكون يوما طرفا في حلها مهما تظاهر بعكس ذلك وأن الشاه لن يتردد في الاستعانة بالقوى الخارجية ضد أبناء شعبه إذا اقتضت الحاجة.
9- كردة فعل على ازدياد كره الجماهير للشاه قرر في العام 1957 انشاء جهاز السافاك وهي منظمة المخابرات والامن القومي وهو الجهاز المكلف بالتجسس على كل شخص في ايران ومتابعة كل شاردة وواردة في ايران والقيام بكل ما هو مطلوب لقمع المعارضين في ايران وخارجها وقد انتشرت سمعة هذا الجهاز كواحد من اقسى أجهزة الامن في العالم واشدها تنكيلا بالمعارضين وهناك روايات تقول ان هناك قرابة ال 3000 إيراني قد قتلوا في سجون هذا الجهاز وحده.
10- تأقلم النظام والأجهزة الحكومية مع رغبات الشاه وبات لا ينقل له الا ما يريد الشاه ان يسمعه ويراه وامتد هذا الخطأ في الإدارة ليشمل حتى الأجهزة الأمنية فلم يتم تنبيه الشاه الى التدني المتواصل في شعبيته والى ازدياد المشاكل اليومية التي يوجهها المواطن الإيراني والى تفاقم المعارضة وانتشارها
11- ازدياد شعبية رجال الدين مستغلين سوء السمعة التي بات الشاه يحظى بها للدخول الى المشهد السياسي وتجييش الشعب الإيراني والمتدين بطبعه الى صفوفهم.
12- الإهمال الواضح من قبل الأجهزة الأمنية لبيان خطر رجال الدين على النظام بل ان رئيس السافاك حسن بكروان لم يهتم بالخطر الذي بات يشكله رجل الدين الخميني على النظام وبدل ان يهمشه او يقضي عليه قام بنفيه خارج البلاد سنة 1964 ومنحه بهذا فرصة ذهبية لانشاء معارضة دينية قوية للشاه خارج ايران وقام ببث رسائله التحريضية للشعب الإيراني عبر وكالات الانباء الأجنبية بكل حرية مما ساهم في توسيع قاعدته الشعبية خلال فترة اقامته في فرنسا.
13- بادر الشاه الى ارسال الطلاب الى الخارج لينالوا التعليم الجامعي في جامعات أوروبا وامريكا وقد قدر عدد هؤلاء بحوالي 200 الف طالب كانت الحكومة هي من تدفع مصاريف دراستهم وابتعاثهم وعاد هؤلاء الطلاب بالقيم الغربية التي تدعو الى الحرية ووالمساواة والديمقراطية فكانوا نواة المعارضة الشابة المثقفة فور عودتهم الى ايران.
14- كان للشاه خطط ضخمة لإيران لجعلها القوة الاقتصادية الخامسة في العالم ولهذا اعتمد في ذلك على تدفقات النفط الهائلة واحتكاره للاموال الناتجة واحتجازها لتنفيذ خططه التي وضعها له الخبراء الأجانب والذين كانوا يركزون على المشاريع الضخمة والمكلفة بدل الالتفات الى المشاريع الواقعية والتي يحتاجها المواطن البسيط. في سبيل ذلك جلب الشاه عددا ضخما من الخبراء الأجانب ليديروا هذه المشاريع ووفق بعض الاحصائيات فإن عدد هؤلاء كان يقارب ال 300 الف خبير مع عوائلهم وكان يدفع لهم رواتب شهرية ضخمة من خزينة الدولة للاستقرار والعمل في ايران وكانوا مثار حسد وسخط الإيرانيين نظير الامتيازات الضخمة التي يحظون بها.
15- أدت هذه الخطط الضخمة الى تضخم تكاليف المعيشة على المواطن البسيط من دون ان تحقق هذه المشاريع المرجو منها كما انه فقد محبة واحترام جيل الشباب لان حلمهم بتكوين دولة عصرية توفر المساواة والرخاء للجميع لم يتحقق على ارض الواقع.
16- كانت المشاريع تقر وتخصص لها الأموال الطائلة من دون تخطيط سليم كقضية صفقة الجرارات الزراعية من كوريا الجنوبية والتي كان يطمح من خلالها الى التطوير الزراعي في ايران فقام باستيراد 300 جرار زراعي ولكنه اكتشف لدى وصولها الى ان الايرانيين لا يمتلكون الخبرة في قيادة هذه الآليات فقام بجلب السائقين من كوريا والذين اضربوا عن العمل بعد عدة اشهر بسبب ظروف المعيشة في ايران وعادوا الى بلدهم وبقيت هذه الآلات الزراعية الباهظة الثمن في المخازن من دون فائدة.
17- كان الشاه يسعى الى ان يكون القوة العسكرية الثالثة في العالم وبدأ ينفق عشرات المليارات على استيراد الأسلحة وتدريب الجيش ولسبب غير معروف، وكانت ميزانية الجيش خارج رقابة الحكومة ولهذا شاب هذه الصفقات الكثير من الفساد وارهق الدولة في التزامات مكلفة وطويلة الأمد من اجل التدريب والصيانة .
18- في السنوات الأخيرة من حكم الشاه بدأت الحاشية بالشعور بقرب انتهاء حكم الشاه ولهذا فإن العديد منهم قد قام بتهريب ثروته الى خارج ايران والفرار لاحقا للإقامة في أوروبا وامريكا ويقدر عدد من فر من ايران في تلك الفترة والى سقوط الشاه قرابة ال 200 الف شخص هربوا عشرات المليارات من الدولارات والتي كسبوها من غير وجه حق الى خارج ايران وافقروا خزانتها من المال.
19- بروز مثقفين أقوياء على الساحة لهم قبول جماهيري وخصوصا بين فئة الشباب ومعارضتهم لنظام الشاه مثل على شريعتي.
20- نشوء ازمة هوية بسبب خطط الشاه السريعة لنشر الليبرالية الأخلاقية في أوساط شعبه المتدين بطبعه .
21- انتشار الماركسية والشيوعية والأفكار الثورية التي تدعو الى حماية حقوق العمال والثورة على النظام الملكي والاقطاعي، كان سبب انتشار الماركسية هو الدعم السوفيتي للحركات والمنظمات المناهضة مثل حركة فداء وحركة بيكار أو المجاهدون الماركسية وحزب توده بسبب أطماع الاتحاد السوفيتي في الأراضي الإيرانية للوصول الى المياه الدافئة وخصوصا وان ايران قد وقعت تحت الاحتلال السوفيتي اثناء الحرب العالمية الثانية وكانت خطوط السكك الحديدية فيها تقوم بنقل المعدات من شواطيء ايران الجنوبية الى الاتحاد السوفيتي بعيدا عن الحصار الألماني ومن ثم محاولة الاتحاد السوفيتي قلقلة النظام في ايران اثناء الحرب الباردة ضد أمريكا بسبب تحالف الشاه مع أمريكا ضد المعكسر الشرقي. بدأت هذه الأحزاب في شن حرب عصابات ضد نظام الشاه ابتداءا من العام 1971 وساعدت الثورة الخمينية في محاربة رجال الجيش والشرطة اثناء قمع المظاهرات المعارضة.
22- قرار الشاه الغريب في العام 1975 بدمج كافة الأحزاب السياسية في حزب واحد أسماه ” راستا خير النهضة ” ففقد دعم هذه الأحزاب لنظامه.
23- بسبب قلة الاهتمام بالارياف وتركيز المشاريع الضخمة في المدن، شهدت المدن الإيرانية وخصوصا طهران هجرة شاسعة من المزارعين اليها مما تسبب في انهيار الصناعة الغذائية في ايران ونشوء الاحياء الفقيرة في طهران والتي بدأت منها الثورة.
24- مرض الشاه بالسرطان في نهاية حياته وضعف ارادته للكفاح ومقاومة المعارضة وتبدى هذا الضعف اثناء حديثه مع الكاتب احسان نراغي وعرضه الاستغناء تماما عن ثروته ومنحها للشعب مقابل وقف الثورة ضده
25- قد يكون انتشار المذهب الشيعي في أوساط الإيرانيين هو مهد الثورات المتتالية في ايران ومنذ ناريخ دخولها في الإسلام والمفتاح الذي استطاع الكثير من رجال السياسة استغلاله للقيام بثورات على الأنظمة القائمة. المذهب الشيعي قائم على التشيع لسيدنا علي ابن ابي طالب وما يمثله من زهد في الدنيا وعدل في الحكم ويعتمد كذلك على إحساس عميق بأن الفساد سيملأ الأرض ولابد من ظهور المهدي المنتظر لينشر العدل، ولهذا فإن أي حاكم لإيران سيجد نفسه محاصرا بين هاتين الشخصيتين .

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>