مآتم الكتاب العربي

المنظر العام لمشاهدة ألوف البشر وهي تتزاحم لدخول معرض الكتاب الأخير المقام في العاصمة السعودية الرياض كان مشجعا وباعثا على الفرحة ولكن وفور دخولك للمعرض ستحزن وأنت تشاهد بعينيك القصة الحقيقة والسبب الغريب لتدافع الأغلبية من هؤلاء، ماجرى في معرض الرياض للكتاب لم يختلف كثيرا عن ماجرى سابقا في معرضي الشارقة وقطر وما سيحصل لاحقا في معرض أبوظبي.

فإن كنت ترغب في كتابة كتاب يحمل عصارة أفكارك ونظرتك للأمور الحياتيه المعقدة فأنت لم تعد مطالبا الأن بأن تشرب الحبر وتمضغ أوراق الكتب، كما إنه بإمكانك ان تسقط حتمية قراءة مئات الكتب لتوسيع مداركك وبإمكانك أن تشطب من لائحة أصدقائك كل الأخوة المثقفين ومحبي القراءة، فكل ماعليك فعله هو ان تنشأ حسابا في احد وسائل التواصل الاجتماعي ثم تحاول أن تملئه بكل غث وسمين ويستحسن أن تميل الكفة للغث فمتابعين السمين هذه الأيام أصبحوا قلة بعد انتشار ثقافة المحافظة على الرشاقة في كل شيء . بمجرد أن تحقق رقما مقبولا من أعداد المتابعين ويستحسن ان يكون اغلبهم من المراهقين السذج فأنت مؤهل الان لوضع كل غثك في كتاب رشيق يحمل اسمك وصورتك على صدره وأن تكون صورتك معبرة وكأنها تخبر متابعيك بأنك من سيحملهم بواسطة هذا الكتاب لتضعهم بجانب أفلاطون في فلسفته وفيثاغورس في نظرياته ونيوتن في عبقريته وبأنهم يستطيعون الان ان يضيفوا شرف قراءة كتابك في سيرتهم المهنية عند التقديم للوظائف في كبرى الشركات.

بعد زياراتي لمعارض الكتاب هذه السنة اتضح لي بأن من سيقود معارضنا العربية للكتاب خلال المرحلة القادمة سيكون مهرجي وسائل التواصل الاجتماعي وليس الكاتب المتفرغ لكتابته كعابد نازك لا يبتغي الاجر ولا الشهرة بل السعادة فيما يفعله، انها موجة كاسحة قادمة وبقوة ولن تكتفي بتخريب معنى معرض الكتاب وما يمثله من مكانة راقية ومميزة بل انها كذلك ستهدم الصومعة فوق باقي الكتاب المحترمين لتخلي الساحة تماما للأخوة المهرجين. منظر الكاتب السوداني الشهير والذي كان يجلس وحيدا مهملا في دار النشر التى طرحت أعماله وهو ينظر بحسرة الى الازدحام الخانق من جمهور متعطش للحصول على توقيع وصورة مع احد الشباب من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي والذي بلغت به الجرأة ان يجمع مجموعة من التفاهات التى اطلق عليها “اسرار الحب” والتى نجح في ان يدغدغ سابقا بها مشاعر متابعيه المراهقين وان يجمعهم حوله وان يضعها في كتاب يحمل اسمه. كان المنظر محزنا وكانت كلمات الكاتب السوداني تطعن في قلب كل من يعشق الكتاب وهو يردد بحسرة مشيرا إلى كتبه” ليتني لم أضيع وقتا ثمينا في كتابة هذه الكتب المهملة لو انني كنت اعرف بأنني سأنافس هذا الديك … في النهاية ، عائلتي ونفسي كانت احق بهذا الوقت من موجة القراء الجهلة الذين ابتليت بهم معارض الكتاب ”

عند محاورتي لأحد هؤلاء من الكتاب الشباب ممن وجد نفسه مشهورا فجأة بسبب برنامج تويتر فاجئني بقوله انه ليس من هواة القراءة ولا يرى ضرورة ذلك ولكنه يعتقد بأن إصدار كتاب يحمل اسمه سيرفع من مقامه في المجتمع بين متابعيه! اصبح الكتاب وسيلة لرفع صاحبه بعد ان كان وسيلة لرفعة المجتمع !

من المحزن ان يتسيد هؤلاء مشهد الثقافة، ان مجرد السماح لهم بذلك يجعلنا جميعا شركاء في الجريمة التى ستخلق جيلا مسطحا تافها يسعى لإقتناء كتاب مجهول ولكنه لا يمتلك ثقافة التمييز بين المفيد من السيء، جيلا يمتلك الوقت لزيارة معرض الكتاب ليس من أجل السعي في رحلة المغامرة والبحث عن كتاب شيق وفريد بل من أجل نيل شرف الحصول على توقيع أحد مشاهير التواصل الاجتماعي، فلتنح النائحات لهذا المصاب، ولتبك الباكيات لهذا الجلل في ما صار يطلق عليه بمآتم الكتاب العربي.

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>