هوزيه، سائق سيارة الأجرة

لم يبدأ تعارفنا بشكل جيد، كنت أنتظر وصوله عند ناصية الشارع و كان يقف في المكان الخطأ، ارتفعت نبرة صوتي وأنا احدثه هاتفيا محاولا شرح مكاني بطريقة فجة بعد أن بدأ الشك يتسلل الى قلبي من أن هناك حاجز لغوي كبير يفصل بيننا.

برغم هذا نجح في الوصول الي بعد دقائق اخرى من الانتظار….

حياني قائلا ” أهلا سيدي، إسمي هوزيه وسأكون بخدمتك خلال رحلتك، عذرا على تأخري في الوصول إليك فأنا مازلت احاول معرفة طريقي في هذه المدينة الجميلة”

استطاع بكلماته المنمقة هذه من أن يمتص غضبي وإثارة فضولي حوله، دفعني دفعا وفور دخولي لسيارة الأجرة التى يقودها لأسئله عن الدولة التى أتى منها بعد أن نجح في نصب مصيدته حولي ليدفعني بهذا الاتجاه.

اجاب فضولي بقوله إنه قد جاء من جوهرة أفريقيا، احدى مستعمرات بريطانيا السابقة، أوغندا.

” مالذي أتى بك للعمل في هذه البلد ياهوزيه ؟”

أجابني ” لقد كنت أعمل سائقا لشاحنة نقل في كمبالا ”

نظر الى عيني من خلال المرآة الأمامية ليتأكد من انني اتابع حديثه، ثم باغتني بسؤاله ” هل سمعت عن اتفاقية النيل بالمناسبة؟ ”

تلعثمت وانا احاول نبش ذاكرتي حول هذه الاتفاقيه، ثم ارتجلت إجابتي المفضلة في مثل هذه المواقف ” نعم اعرف القليل عنها، ولكن هذا لا يمنع أن تخبرني انت كل ما تعرف عنها ”

ارتسمت على وجهه ابتسامه كشفت عن صفان من اللؤلؤ

اخبرني عن قريته الصغيرة

عن اتفاقيه النيل الموقعة بين الدول التى يمر بها شريان أفريقيا والمجحفة بحق دول المنبع ولمصلحة دولة المصب

عن عجز أوغندا عن امتصاص غضب هذا النهر عندما يكون في مزاج متعكر بسبب منعها من إقامة السدود عليه

وعن اثار ذلك على الأوغنديين

عن غرق مزرعة والده بسبب الفيضان

عن سفره الى جوهرة افريقيا كمبالا وعمله كسائق شاحنه ليساعد والده بعد فقدانهم للمزرعة

عن خبر في صحيفة محليه عن وظيفة في بلد نفطي خليجي

عن مقابلة مع أشخاص من الجنسية الهنديه حول هذه الوظيفة

عن وعود كثيرة واموال لا حصر لها ستهطل بغزارة وبدون توقف كأمطار أوغندا في اغسطس

ثم عن سفره

وتلاشي احلامه على يد سارقي الأحلام

عن اختطاف نصف راتبه بزعم توفير المسكن

وعن العلاوات المقتطعة والغرامات التي لا يمكن تلافيها وأنت تقود سيارتك في وسط بحر من الناس المستعجلين دائما للوصول الى وجهات لاتنتظرهم بشغف!

أخبرني عن العمل لمدة ١٨ ساعة من اجل ان يسدد فواتير معيشته وتوفير شيء بسيط ليدعم والده

عن الغربة

عن ملايين البشر الذين يعيشون في نفس الخدعة

عن شبكة مافيا العمل التى يديرها الغرباء ليصيدوا بها الغرباء

عن الأمهات اللاتي يودعن أبنائهن بدموع الأمل

والزوجات اللاتي يودعن أزواجهن بحزن الاشتياق

والأطفال الذين يكبرون ولا يعرفون عن الغريب الذي يزورهم كل سنتين وهو يحمل بعض الهدايا وابتسامة اللوعة الا لفظ الوالد المغترب

عن الصداقات التى أنشئها مع جنسيات مختلفة من الطبقة الكادحة ممن يعملون بصمت ويرحلون في صمت

عن فرحه الشديد عندما يجد فرصة مثل هذه ليشارك الجميع قصصه وكعادة سكان قريته الصغيرة

عند وصولنا الى وجهتي، حياني بإبتسامة كبيرة وهو يقول ” لا تنسى، انا اسمي هوزيه وانا احكي قصة ملايين البشر في بلدك ”

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>