هل الداعشي هو من يقتل أباه فقط؟

” لقد جئت لأحرض الرجل على أبيه، والابنة على أمها، وزوجة الابن على أم زوجها، سيكون أعداء الرجل من داخل منزله، وسوف يقدم الأخ اخاه للموت، وسيثور الأبناء على آبائهم ويسوقونهم إلى الموت”
هذه الكلمات المنسوبة لسيدنا عيسى عليه السلام في بداية دعوته التبشيرية تلخص واقع الدين ومكانته كحركة جماهيرية تستدعي الخضوع الكامل لها ووضعها في الموضع الأعلى والأقدس في حياة الإنسان وهو موقف يتشابه مع الحركات الجماهيرية الأخرى، فخلال الحركة النازية كان الجار هو من يخبر السلطات عن جيرانه إن كانوا من اليهود أو من المتعاطفين معهم ليلاقوا حتفهم حرقا وتجويعا، وخلال الثورة الثقافية في الصين كان طلاب المدارس والجامعات يبلغون عن أباءهم إن شكوا في برجوازيتهم، وفي العراق أبيدت مدن كردية كاملة بالأسلحة الكيماوية من دون أي اعتراض شعبي مع أن الأكرد عراقيون بالجنسية مسلمين بالديانة، لقد صدمنا التاريخ البشري بهشاشة العلاقات الإنسانية وبأن روابط العائلة والدم والتي نكن لها أعلى مشاعر الاحترام والتقدير من الممكن كسرها بسهولة شديدة وعلى مستوى واسع في المجتمع متى ما تهيأت الظروف، فالداعشي ليس الوحيد القادر على قتل والديه من أجل قضيته، فأي إنسان مهيئ للعب هذا الدور وكما أخبرنا تاريخنا البشري.
لهذا حذر الكاتب إيريك هوفر في كتابه ” المؤمن الصادق ” من السماح بتراكم المسببات لمثل هذا الإنفلات وتحت أي مسمى أو ذريعة لأن نتيجته ستكون في أغلب الأوقات وخيمة ومدمرة وذكر بأن الإحباط المتراكم داخل شخص أو مجموعة من الأشخاص سيتحول إلى تطرف وهذا التطرف سينمو ليتحول إلى إرهاب يضرب كل ما حوله من مجتمع ومؤسسات تحت قيادة من يحسن إستغلال هذه الظروف المناسبة ويمتلك موهبة قيادة الجماهير نحو الفوضى لتحقيق أهدافه.
نمتلك اليوم المقدرة على إيقاف مسببات أحد الحروب وهي الحروب الدينية، فالتطور السريع في وسائل الاتصالات قد سهل نشر التعاليم الدينية حول العالم ومن دون الحاجة إلى شن الحروب، ووفرت الانترنت مادة دسمة للراغبين في البحث عن الدين الحق لإتباعه عن قناعة، وبات السفر والاحتكاك بمعتنقي الديانات الأخرى لدراسة أفعالهم وأقوالهم من أبسط ما يكون، ولكل هذا لعل الجهاد الديني العسكري في كافة الأديان في طريقه للنهاية والاضمحلال لإنعدام أسبابه وبوفاته قد يمهد لإنتشار الأمراض بباقي المسببات الأخرى للحروب.
من العبث اخراج زكاة الأموال في بناء المساجد بالقرى المهجورة من طيف الحضارة بينما يموت فيها الإنسان جوعا، أفضل أن أطعم ألف انسان على أن ابني بيتا واحد يعبدون فيه الله جياعا. ومن المستهجن أن نجوب الأرض بحثا عن المحرومين من معتنقي نفس الدين فقط، أفضل أن أشارك الاخرين بعضا من النعم التي رزقني بها الله ربي وربهم ولكنه فضلني لسبب لا أعرفه عليهم فخصني ببعض نعمه. وفي عصر الحريات الإنسانية من المنكر أن يتم تضييق الطريق على المختلف عنا دينا لأثبت العزة لنفسي ولقومي، أفضل أن أبسط لهم جناح الرحمة في مدينتي كما أبسطها لأخي المسلم، فكوني متدينا لا تعني أن احول مدينتي إلى غابة يبطش فيها القوي المسيطر بالضعيف. إنه عصر جديد يا سادة تسود فيه الأخلاق والمنطق ويهمش فيه كل جاحد ختار، ولعل الأخلاق تكون حبل الإنقاذ الأخير لكوكبنا الأرضي وقبل أن تعصف به حركة جماهيرية يقودها المجانين ونتبعهم نحن.

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>