من قتل المسرح فكأنما قتل التاريخ

في البدء كان الإنسان فالتاريخ فالقصة فالمسرح فالتلفزيون، وقبل ما يزيد عن سبعين عاما وعندما كان الخليج وسكانه يعيشون في ضيافة الجهل والفقر كانت هناك بدايات حركة مسرحية مميزة تنمو في قلب الكويت قلب الخليج وتاريخه، في الوقت الذي كان أغلب سكان الخليج عبارة عن بدو رحل أو يعيشون على باب الله على ضفاف الخليج كانت الكويت تنمو متفردة لتعرض في العام 1955 مسرحية ” مدير فاشل ” من بطولة احمد النشمي في وقت لم يكن الخليجي يعرف معنى الإدارة.
وفي الوقت الذي كان التعليم ترفا لا يناله إلا قلة قليلة من أبناء الخليج، كان أبناء الكويت قد انخرطوا عميقا في مجال التعليم، وتفرعوا في العلوم الفنية فكانت هناك أربع فرق مسرحية تمثل مدارس المباركية، الاحمدية، القبلية والشرقية يتنافس طلابها في تقديم العروض المسرحية.
وفي الوقت الذي كان الخليجي يعيش مغتربا في بلاد الله بحثا عن رزقه طلبت الكويت من المسرحي المصري ” زكي طليمات ” في العام 1961 القدوم إليها لدفع مسيرة المسرح خطوة إضافية بعد قرابة الأربع سنوات من تأسيس المسرح الشعبي بجهود محلية لينطلق على يديه المسرح العربي والذي قال عنه طليمات في بداية تأسيسه ” المسرح الشعبي القائم يخاطب الجمهور الكويتي بلغته وعاداته وتقاليده بينما سيقوم المسرح العربي بإحياء أمجاد العروبة واستخراج العبرة من تاريخها” وتقدم للانضمام للمسرح العربي وقتها قرابة ال 250 شخص تم اختيار 40 ممثل بينهما سيدتان هما مريم الصالح ومريم الغضبان، ليكونوا النواة الصلبة للانطلاقة الحقيقية للمسرح الكويتي.

إنه تاريخ عميق وغني في هذا المجال يبتعد بعشرات الأعوام عن الدول المجاورة بل وينافس الدول العربية العريقة كجمهورية مصر العربية ولهذا تسيد المسرح الكويتي الساحة الخليجية منذ تلك الفترة وإلى الأن وامتد تسيده بطبيعة الحال إلى مجال الأعمال التلفزيونية، والتي حاولت السير على خطى المسرح المحترف لتشابه أسماء المشاركين في المجالين، فكانت أعمالا تعكس المجتمع الكويتي وغنى حياته في تلك المرحلة و ليقدم التلفزيون الكويتي في مرحلة السبعينيات الثمانينات أجمل المسلسلات والأفلام في تاريخه والتي ما زالت تعتبر علامة فارقة كويتيا وعربيا، فكانت الباكورة مع فلم “بس يا بحر” في 1972 والذي استمد قصته الحزينة من البحر ذلك الجار الشقي والذي كان مصدرا للرزق والحزن في آن واحد ليفوز هذا الفيلم على الرغم من قلة الإمكانيات وقتها بعدد معتبر من الجوائز العربية والعالمية. ثم توالت الإنجازات فكان مسلسل ” حبابة” في عام 1976، “الأقدار” و”درب الزلق” عام 77، “الابريق المكسور” 78، “إلى أبي وأمي مع التحية” 79، ” خرج ولم يعد” و ” العتاوية ” 80، “ابله منيرة” 81، “كامل الأوصاف” 82، ” خالتي قماشة” 83، ” رقية وسبيكة” 86. وغيرها الكثير من المسلسلات التي كانت تتشابه في شيئين الأول أن أغلب المشاركين كانوا ممن ساهم في تأسيس المسرح الكويتي والثاني تغليب الطابع الكوميدي على مجمل هذه الأعمال لأن المجتمع الكويتي كان يعيش في بحبوحة من العيش وقتها مقارنة بكافة المجتمعات العربية فكان طبيعيا أن تخرج الأعمال بروح كوميدية محببة.

بدأت بعد ذلك بوادر الشيخوخة في التسعينات، فلقد مر على إنشاء المسرح قرابة الثلاثين عاما وكان الكثير من رواده قد اعتزلوا أو انتقلوا الى الرفيق الأعلى وقل الدعم الحكومي للإنتاج الفني بشكل عام وزادت حدة المراقبة وتم غزو الكويت ليبتعد نجوم المرحلة الأولى بهدوء عن الساحة مفسحين المجال للإنتاج التجاري البحت والذي استطاع في عشرة أعوام تدمير تاريخ طويل من النجاح والتميز الفني. في تلك الفترة برزت الكاتبة فجر السعيد بكتاباتها السوداوية الغير مبررة والتي كانت تعتمد على التلاعب بالعواطف الإنسانية عن طريق تقديم نماذج بشرية متطرفة ومشاكل نادرة الوجود ليتم تعميميها على الساحة الفنية، مستغلة امتلاك عائلتها لقناة فضائية خاصة استطاعت من خلالها إنتاج وإطلاق أعمالها الفنية الخاصة، لتنتج في عشرة سنوات قرابة الاثني عشر مسلسل جمع بينهم محاولات ” دحش” حالات الصراخ والبكاء الهستيري باسم الواقعية الاجتماعية في محاولة للتغطية على بقية جوانب السوء في العمل الفني من حيث النص والحوار والأداء، وفي نفس كان يتم قتل المسرح بطريقة مختلفة عن طريق إدخال الكوميديا المبتذلة على يد داوود حسين وطارق العلي و ليتم قص جناحي الحركة الفنية الكويتية على يد الجيل الثاني من الممثلين وحفنة من تجار الفن.

هذا ليس بنعي للحركة الفنية هناك، فالكل يعلم بأن الجثة قد تحللت ” وفاحت الرائحة” ولم يعد بالإمكان إنكارها، فالتشويه أخذ يطال حتى الأعمال المكتوبة التي نالت أعلى المراتب الثقافية، مثلما حصل مؤخرا مع رواية ” ساق البامبو” ، ولكنه صرخة تخوف من انتشار نفس التيار في كافة الدول الخليجية بفعل تأثرها الكبير بالحركة الفنية الكويتية، ارحمونا يا سادة فهذا الإنتاج الفني لا يمثل حياتنا ولا يناقش قضايانا ولا تلبث ان يسقط من ذاكرتنا فور انتهاء الحلقة الأخيرة منه، الرحمة يا سادة فنحن لا ” نتشعبط” في المايكرو باص للذهاب إلى العمل ولا نعاني من ويلات الحروب ولا نقف في طوابير طويلة أمام الجمعيات التعاونية ولا نعيش في غابة الفوضى فمن أين تأخذون أفكاركم السوداء حول ما يجب إنتاجه ولماذا التصنع في إنتاج دراما حزينة لا تعكس واقع المجتمع بشكل مجمل وكيف تدفعون كل سنة بعشرات الوجوه الجديدة من دون أي تدريب أو تأسيس فني ملائم؟ الرحمة يا سادة، فأولا كان الإنسان فالتاريخ فالمسرح وبقتل المسرح فإننا نقتل جزءا مهما من تاريخنا.

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>