الو.. معانا اتصال

في بداية الثمانينات من القرن الماضي كان جارنا رحمه الله والذي تخصص بمهمة إيصال مجموعة من أبناء الحي الواحد يوميا الى المدرسة، حريصا على الاستماع الى إذاعة لندن يوميا وهي تنقل له اخر اخبار الحرب الاهلية اللبنانية، كان يأمرنا بالصمت طيلة الرحلة الى المدرسة وعلى الرغم من صعوبة تنفيذ أوامره من قبل مجموعة من الأطفال إلا اننا كنا نحاول احترام رغبته قدر المستطاع واستطعنا بفضل ذلك من الحصول على معلومات كثيرة حول ما يجرى في لبنان من ويلات ومعارك يومية ، عندما كبرت قليلا سالت جارنا لماذا كنت تصر على الاستماع الى إذاعة لندن فقط فأجابني : لقد خدعتنا الإذاعة العربية في حرب 67 يا ابني وصورت هزيمتنا على انها انتصارات ساحقة، لم نخسر المعركة في تلك الفترة بل خسرنا أيضا ثقتنا بالإذاعات العربية .

حاليا تبدا يومك بالاستماع الى الإذاعة في الصباح وانت في طريقك للعمل لتحاول ان تجد شيئا مسليا ومفيدا يشجعك على بدء يومك بنشاط وحماس فتجد برامج صباحية على شاكلة افعل هذا ولا تفعل ذلك وكأنك طالب مدرسي، او حوارات ساذجة مع نفس المتصلين يوميا ممن يمتلكون قدرة التحدث في شتى المجالات المختلفة ومع كل الإذاعات المحلية، بعد فترة تأتيك فقرات البث المباشر لتنقل لك مشاكل غريبة و حزينة يصادفها المواطن والمقيم في أثناء تعاملهم مع مختلف الجهات الحكومية والخاصة لتتساءل في نفسك لماذا يتم دفع رواتب الموظفين والمسؤولين ولماذا تشرع القوانين اذا كان المتعامل سيضطر في النهاية الى الاتصال بالإذاعة لنحل مشاكله ؟ ويبرز السؤال الأهم بأي وجه حق تعطي الإذاعة نفسها حرية نشر الحزن وعلى الهواء مباشرة. في المساء لا يتحسن الوضع كثيرا فتجد برامج غريبة يختلط فيها تفسير الاحلام بنصائح غذائية بفتاوي معادة ومكررة مع وصلات من أغاني ما يطلبه المستمعون وفقرة الو معانا اتصال. ينتهي اليوم لتكتشف بأن استماعك الى الإذاعة اصبح مملا لا يضيف لك الجديد قضيته في الاستماع الى اشخاص لا يعنون لنا شئيا او في تفسير حلم شخص غريب او في الاستماع الى فتوى معادة او مشاكل غريبة وفريدة تدل على وجود خلل في النظام المؤسسي في القطاعين العام والخاص ولكنني كمستمع لا أستطيع حلها.

اقترح علي أحد الأصدقاء الاستماع الى إذاعة اجنبية تبث من داخل الدولة فلاحظت الفرق فورا مقارنة بإذاعاتنا المحلية ، تستطيع ان تشعر بالفرح وهو يشع من صوت المذيع بينما يحيي مستمعيه وبطريقة غير متكلفة ، ينقل لنا في برنامجه الصباحي اخر الاخبار والاحداث المهمة ولكن بطريقة بسيطة وغير مملة، يختار ان يخصص دقيقة من وقته ليتكلم عن كتاب جديد في الأسواق او عن عرض سينمائي او مسرحي يعرض حاليا او يقوم باستعراض كلمات اجنبية من مختلف اللغات العالمية. في اثناء عودتك من العمل يقوم المذيع باقتراح مطاعم او أماكن جميلة لقضاء بقية اليوم أو يخبرك عن وجود مكان جديد سيحبه أبنائك وسيشكرونك عليه عندما تأخذهم اليه في العطلة الأسبوعية او عن نادى صغير لمحبي التعرف على ثقافات الاخرين ممن يعيشون معك في نفس المدينة، تحاول هذه الإذاعة ان تغوص في أعماق المجتمع من حولنا لتنقل الفعاليات المميزة ولتخبرنا بالتفاصيل الجميلة والتي قد لا نستطيع رؤيتها بمفردنا، تحاول ان تشركنا بكل كرنفالات الفرح التي لم تنتبه لها من حولك لتجد نفسك ملتصقا بالإذاعة حتى بعد وصولك لوجهتك ولتشعر وقتها بالتردد، هل تقوم بمغادرة سيارتك ام تبقى لدقائق أخرى لتستمتع بما يقدم؟

فقد الجيل القديم ثقته بالإذاعات العربية لأنها استغلت هذه الثقة في تمرير الأوهام ويكاد الجيل الجديد أن يفقد ثقته أيضا بهذه الإذاعات لأنها اختارت ان تنطلق عبر الاثير من دون ان تحاول فهم احتياجات هذا الجيل وكيف تستطيع ان تكون شريكا مميزا له بتقديم المفيد له في حياته السريعة والمتغيرة، اختارت اغلب اذاعاتنا العربية ان تكون نسخ مكررة من بعضها لا تريد التطور والخروج من قالب الرسمية والنمط القديم المتكلف؟ اختارت ان تموت ببطء لا مبرر له ولا اعرف سبب ذلك !

هل تعرف عزيزي المستمع سبب ذلك؟ أترك الإجابة لك.

Share Button

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>