حفظ الله ليبيا

إنها الساعة الثامنة مساءا وبهو الفندق الضخم يغص بوفود افريقية جاءت للمشاركة في مسابقة لترتيل القران الكريم اختلطت مع وفود قادمة من دول أوربية بغرض إنشاء مشاريع اقتصادية جديدة , يطل البهو في نهايته على مطعم دولي بالأسفل امتلأت اغلب طاولاته بالزوار والمقيمين في الفندق , توجد شرفة تطل على المطعم يؤدي فيها عازف شاب ألحان جميلة وهادئة لأغاني جارة القمر فيروز , إنها ليلة مميزة ومفعمة بالنشاط في مدينة تحاول شق طريقها وبسرعة إلى العالمية .
لم يكن هذا وصفا لما يجري في أحد الفنادق الفخمة في أبوظبي أو الرياض أو إسطنبول , انه وصف لإحدى الليالي في مدينة طرابلس العاصمة الليبية بعد سقوط القذافي والنظام القديم حيث قادتني الصدف إليها مؤخرا لأزورها وللمرة الأولى في حياتي في زيارة خاصة .

عند وصولي لمطار العاصمة الليبية لم أكن أتوقع أن أصادف هذا الازدحام المروري الكبير في الطريق المؤدي من المطار إلى وسط العاصمة , ألوف من السيارات المتجهة إلى المدينة في مقابل ألوف أخرى خارجة إلى ضواحي العاصمة حيث يقيم الكثير من الليبيين , في مخيلتي كنت أتوقع أن أجد مدينة صغيرة ذات كثافة مرورية بسيطة بسبب تداعيات حرب التحرير ولكن طرابلس فاجأتني ليس بسبب الكثافة المرورية فقط ولكن بسبب اختفاء أي مظهر من مظاهر الحرب الأخيرة على مباني المدينة باستثناء المبنى الذي كان يقيم فيه القذافي وتم تدميره وبقت أشلاءه إلى الآن كنيشان تكريم على صدر طرابلس وكذكرى للشهداء الذين سقطوا في سبيل حريتهم , لم يكن هناك أي وجود عسكري أو نقاط تفتيش , إنها تبدو مدينة عادية كباقي المدن المحيطة بها والمطلة على البحر الأبيض المتوسط .

في خريطة أخذتها من مكتب الاستقبال بالفندق تبين أهم المعالم السياحية والنقاط المهمة في العاصمة كان يوجد في الخلف مخطط لخطوط القطار المزمع إنشاءه في العاصمة , انه مشروع ضخم يتوقع البدء في بناءه قريبا وسيغطي معظم مناطق العاصمة, تحاول طرابلس الآن وبعد عام واحد فقط على تخلصها من قيودها أن تنطلق وبسرعة لتتفوق على جاراتها وشقيقاتها من مدن عربية وافريقية . هذا المشروع يلخص الروح المعنوية العالية التي يمر بها الشعب الليبي بكافة أطيافه وتطلعه إلى غد مشرق وأجمل, فلقد ودع أربعين سنة من الظلام تحت حكم مطلق مستبد لعائلة تميز أفرادها بالغرابة في كل تصرفاتهم ولا ينوي أن يضيع المزيد من الوقت .

في المطار عندما كنت أغادر طرابلس حياني احد الليبيين بقوله ” حيا الله الأشاوس ” إنها تحية بسيطة وعميقة تظهر مقدار الحب الكبير الذي يكنه الشعب الليبي للشعوب الخليجية , كما تظهر مقدار الأخلاق العالية التي يتحلى بها هذا الشعب الصبور , قال لي صديقي الليبي , بابتسامتك هنا تستطيع الحصول على كل ما تريده منا .
أخبرني أحدهم بقصة حدثت في بدايات السبعينيات عندما زار الشيخ زايد رحمه الله منطقة ساحة الشهداء بالعاصمة الليبية ثم نظر إلى مضيفه القذافي وقال له ” أتمنى أن تتطور أبو ظبي لتصبح مثل طرابلس ” انطلق بعدها أحد الرجلين ليحقق أحلامه في بناء دولة حديثة من نقطة الصفر لتصل إلى العالمية في أقل من أربعين عاما بينما انطلق الأخر ليدمر التاريخ الجميل لدولته . باعتقادي فان ليبيا اليوم تستحق شخصا مثل الشيخ زايد ينظر إلى شعبه نظرة الأب إلى أبنائه ويسعي جاهدا الى تحقيق طموحاتهم وإعادة البسمة والثقة إلى نفوس أحفاد عمر المختار , هل يتحقق ذلك ؟ أتمنى ذلك

ولكن اترك الإجابة للحكام الجدد .

Share Button

تعليق واحد على “حفظ الله ليبيا

  1. هل سيرزقنا الله بحاكم واب محب كأبيكم زايد رحمه الله ام سيكون قدرنا التعايش مع مسخ بعمالته وتجاربه الفاشله يقضى على ما تبقى من وطن فى داخلنا ؟

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>