رأس ميدوسا

” سوف ندمر الصحوة اليوم، لأننا نريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم مبادئ ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، ونتعايش مع العالم ونساهم في تنمية وطننا والعالم”. الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية

تصريحات مهمة جدا أعلنها الملك القادم للمملكة العربية السعودية التي تعتبر المرجعية الأولى للمسلمين حول العالم، فعندما يعلن ولي عهدها ان الصحوة لم تكن الا خطأ جسيم ووحش انقلب على مالكه فلا بد من الانتباه الى مثل هذه التصريحات واخذها بعين الحرص ودراستها بعيدا عن العاطفة فمن اكتوى من لدغة الافعى هو الوحيد القادر على وصف الألم الناتج عن هذه اللدغة وهو المدرك لخطورة امتلاك حية ناعمة المظهر سامة الانياب.

ان الايدلوجية الدينية اخطر بمراحل كثيرة من أي ايدلوجية أخرى ابتكرها الانسان مثل البلشفية والنازية والقومية والشيوعية وغيرها فمثل هذه الايدلوجيات وبمرور الوقت تموت فور وفاة رأسها سواء كان الرأس قضية قومية او سياسية او دولة معينة او حتى شخص مفرد بعد اقتناع المجتمع بفشل الفكرة بعد وقت قد يطول وقد يقصر.

فالايدلوجية البلشفية الشيوعية الاشتراكية والتي نادت بتحقيق المساواة بين فئات المجتمع والتي كان اكبر انجاز لها قيام الاتحاد السوفيتي ودعمه لنشر الفكر الشيوعي الاشتراكي حول العالم انتهت بعد ان تسببت بتأخر وتخلف الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه حول العالم وفور انهيار الاتحاد السوفيتي انتهت الاشتراكية هناك تقريبا وحلت محلها الايدلوجية الرأسمالية فورا وتتابع سقوط الاشتراكية حول العالم. ان موت الرأس هنا تسبب بموت الفكرة الأساسية بحد ذاتها لأن أطرافها لم تكن تمتلك القوة الكاملة للنمو في أماكن جديدة وماتبقى اليوم من الاشتراكية هو في الحقيقة خليط مهجن من عدة ايدلوجيات مختلفة ولكنها لا تمتلك صفاء الفكرة الاصلية.
اما الايدلوجية النازية الاوربية والمبنية على العنصرية والتشدد ضد الأعراق الأخرى وكذلك على علوّ اجناس بشرية معينة على أجناس أخرى فقد وصلت الى قمة مجدها على يد هتلر والذي نجح في تكوين امبراطورية نازية كادت ان تحكم العالم ولكنها انتهت فورا من الوجود بهزيمة وانتحار قائدها هتلر عقب هزيمته في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهكذا الشأن مع مختلف الايدلوجيات الانسانية والتى تصعد وتخبو على مر الزمن لانتفاء الحاجة لها بسبب قيامها على اهداف و مبادئ واضحة ومرئية عكس الايدلوجيات الدينية اولتى تقوم على الماورائيات اي ما قبل الحياة وما بعد الموت ولهذا وبما ان الانسان يكتنفه الفضول دوما للحصول على اجوبة تخص مجال الماورائيات فإن الايدلوجية الدينية ستكون حية ونشطة وحتى مع قطع رأسها لأن اطرافها تستطيع النمو من جديد وبسرعة لتصبح رؤسا جديدة تماما في اماكن مختلفة.

ما حصل في السعودية بقطع رأس الافعى المسماة بالصحوة الاسلامية هو خبر جيد وايجابي الا انه يحمل في طياته مخاطر خفية من تحول اطراف الصحوة والمنتشرة في دول العالم الى رؤوس جديدة تقودها مصالح سياسية او اقتصادية او قومية خفية فهناك بوادر على ان الكويت تعيش حالة غريبة من نشاط الصحوة فيها تهدد النسيج الاجتماعي فيه وتنذر بتحوله الى مجتمع منغلق معادي للغريب كما ان الامارات وعلى الرغم من انفتاحها منذ تأسيسها الا انها تعيش في بدايات خطر تشكل رأس صحوة جديدة قد يشكل خطورة على مشروعها للنمو الحضاري والفكري. دول اخرى مبتلية بكوارث سياسية مثل فلسطين وسوريا ولبنان تحولت بالفعل الى رؤوس صغيرة للصحوة الاسلامية وبات الكثير من افراد مجتمعها مقتنعا بضرورة محاربة المختلف عنه داخل وطنه.
مصر استطاعت النفوذ من هذا الفخ عندما تنبه الشعب والقيادة العسكرية الى ضخامة خطر تحويل مصر الى دولة صحوية لان بلد بحجم وضخامة مصر قادرة على تهديد السلم الاجتماعي في العالم اجمع ان سمحت بنمو افكار وتشريعات الصحوة.

ان خطر الصحوة الاسلامية هو اعتمادها على النقل والتطبيق الاعمى لما هو مذكور في الكتب التاريخية من دون محاولة التحقق من صحة ماذكر فيها ومن دون ادراك خطورة تطبيق افكار قديمة على المجتمعات الحديثة كما ان خطورتها تنبع من رفضها للحوار مع مخالفيها وتبنيها لسياسة تطبيق الافكار بالقوة الجسدية عن طريق الارهاب وتنفيذ عقوبات شرعية غير انسانية وغير ملائمة او عن طريق الارهاب الفكري عن طريق رمي مخالفيها بتهم الكفر والزندقة والالحاد وتحريض العامة ضدهم.
الصحوة الدينية لن تموت بعد قطع رأسها بل إن الرأس المقطوع يشكل خطرا مميتا بحد ذاته تماما مثل رأس ميدوسا في الاساطير اليونانية، لا بد من استخدام سلاح العلم والتحضر في مواجهتها للتأكد من انعدام خطورتها على الأجيال المقبلة.

Share Button