الراقل دا مش في الطابور !

عندما يدخل الفقر من الباب، سيتبعه الفساد عبر النافذة، إن أردتم إغلاق هذا الباب في يوما ما، فبادروا إلى إغلاق نوافذكم من الأن. هذه قصة حدثت مؤخرا ولكن بدايتها كانت قبل عشرات السنين.

في نهاية رحلتي الأخيرة إلى القاهرة وأثناء انتظاري في نقطة التفتيش الأولى بمبنى المطار تلقفني ” المسلكاتي” عندما شك في ملامحي الخليجية واقترب متسائلا ” البيه على السعودية؟”، أجبته ” لا، الاتحاد على أبوظبي”.

قبل أن استرسل في الحديث دعوني اتوقف قليلا لأشرح لكم عن معنى المسلكاتي (وهي لفظة من اختراعي ) وما هي وظيفته في مصر، فالمسلكاتي شخص يستطيع تسليكك لتمر فوق النظام عن طريق معرفته للطرق الملتوية الغير القانونية اما عن طريق عمله النظامي في المنطقة التي تود القفز فيها فوق القانون او معرفته الوثيقة بأحد العاملين هناك، والمسلكاتي قد تصادفه في كل انحاء مصر العظيمة، اذا اردت الدخول الى مطعم راقي ولكنك لا تملك حجز مسبق فهناك مسلكاتي سيوفر لك طاولة في مكان مميز، اذا اردت الدخول الى ملهى مزدحم ولكنك بمفردك ونظام الملهى يستدعي وجود رفيقة لك فهناك المسلكاتي الذي سيضمن لك الدخول والجلوس في طاولة الفي أي بي. اذا اردت استخراج وثيقة رسمية ولكنك لا تملك الأوراق المطلوبة او لا تعرف النظام فالمسلكاتي سينتظرك على أبواب المصلحة الرسمية ليأخذك من يدك وليلف بك السبع لفات في كل دهاليز المكان وستسلمه قدرك مستسلما وانت تراه يقفز هنا وهناك يخترق الصفوف ويدخل الى المكاتب من الأبواب الخلفية وهو يحاول بجهد وإخلاص ان ينجز مهمتك.

هناك مسلكاتي في كل زاوية من زوايا مصر مستعد لان يشعرك بأنه يمتلك هذا المكان وانه البوصلة السحرية للمتاهة التي انت على وشك الدخول اليها، وبما ان مطار القاهرة احد هذه الدهاليز فإن هناك مسلكاتي او لأكون اكثر دقة عدة مسلكاتيه منتشرين في مداخل المطار ينتظرون الوجوه الحائرة لينتشلوها من حيرتها وليضمنوا لها دخول آمن وسريع. الان وبعد ان بت تعرف من هو المسلكاتي وما هي وظيفته فلزم علي ان اخبرك بأن هذا المسلكاتي لا يقوم بوظيفته لوجه الله، حاشا لله، فهو يعرف ان ما يقوم به هو مخالفة شرعية ولهذا فهو يرفض ان يكون اجره نظير عمله دعوة بظهر الغيب أو ابتسامة شكر من مسلم لأخيه المسلم، فالمسلكاتي انسان له احتياجات معيشية مثل المئة مليون انسان في مصر ولهذا فإنه يأخذ اجرا نظير خدماته وهذا الاجر غير محدد او موثق كما انه قابل للمساومة حسب شطارتك وحسب تقديره.

نعود لقصتي مع اخر مسلكاتي قابلته في مطار القاهرة اثناء مغادرتي، فعندما اقترب مني هامسا متسائلا عن الطائرة التي سأقلع فيها مبتعدا عن ارض المسلكاتين فكل غرضه أن يتأكد من انني مواطن خليجي لأن ال.. قد يتشابه عليه فينتهي به الامر محدثا احد الاخوة الأسيويين الذين يشبهوننا في نظر الاخوة المصريين وقد يهز هذا الاسيوي رأسه كعادته مع ابتسامه خبيثة تعنى ” انني لا اعرف ماذا تريد، فلترحل عني اذن ايها اللعين” ولهذا ومنعا للإحراج فإنه يسألك لكي يتأكد من انك العميل المطلوب وفور ان تجيبه بالإيجاب فإنه ينظر اليك بأسى ليوحي لك بأنك قد صعبت عليه وهو يرى ابن العز وقد انقلب حال الدنيا وبات يقف في صف طويل منتظرا دوره، نظراته تخبرك ” مكانك مش هنا يا باشا، مكانك فوق فوق ” وفي هذه الحالة فإنك ابن العز من المفترض بك أن تعيش الدور وأن تقنع نفسك بأنه من المعيب في حقك أن تقف في طابور يقف فيه العامة والرعاع وان هذا الشيء مسيء للسمعة في مصر ولهذا وعندما تراه يمد يدك ليسحب شنطتك الثمينة فمن المفترض بك ان لا تجزع وانت ترى هذا الغريب يسحب متاعك ويركض مبتعدا، فهذا هو المسلكاتي الأمين والذي تستطيع ان تسلمه ابنك لو اضطررت ان تعبر معه خط بارليف وانت متأكد من انه سيحقق مهمته وسيظفر بالنصر الأكيد. كل ما عليك ان تسرع الخطى محاولا اللحاق بالمسلكاتي وان تفهم كل نظراته وتنفذ ما تقوله لك، ستجده وقد اخترق الصفوف كما اخترق الجيش المصري العظيم صفوف العدو في 6 أكتوبر، لا تخف شيئا فأنت في حماية المسلكاتي وعبورك فوق خطوط الأعداء أمن تماما، وعندما تجد نفسك فجأة وقد وصلت الى نقطة التفتيش في ثوان معدودة وتراه قد مد يده قريبا منك فلا تخطى وتظن انه يمد يده مودعا، بل عليك ان تمد يدك مسرعا بالأجر المتوقع ويستحسن ان تكون كريما معطاءا لأنه قد سمح لك أن تعيش دور المهم الذي يستطيع القفز فوق طوابير الانتظار، وعندما يهمس لك “ما تنساش الراقل” ، فمعناها بأنه ولكي يسهل المرور فإنه مضطر كذلك أن يعطي احد الأشخاص المسؤولين نصيبه من العملية ليسهل مرورك، وانت لا تعرف هذا “الراقل” ولكن لابد من انه شخص حقيقي وموجود والا فلما سيخدعك صديقك المسلكاتي ويوهمك بأنه سيأخذ نقودا لا تخصه ليعطيها لشخص غير موجود!
الموضوع غير منطقي ولهذا من المستحسن ان تمد يدك ثانية وأن تعطيه اجر هذا الشخص المفترض وجوده وبهذا تضمن بأن العمليةقد تم تأمينها من جميع الزوايا.

لا اعلم ما الذي جرى لحظتها ولكن في اللحظة التي قمت بدفع اجرة الشخص الافتراضي وفي اللحظة التي كنت على وشك دخول التاريخ وعبوري لنقطة التفتيش الأولى في المطار متخطيا جموع المنتظرين حتى تفاجئت بصراخ احدهم ” الراقل دا مش في الطابور، الراقل دا مش في الطابور ” وعندما تكرر الصراخ التفت لأرى من سبب هذه الضجة فرأيت شخص مسن ابيض شعر رأسه ناظرا الى بغضب السنين المتراكم ضد المسلكاتي وكل من يسلك له، وبدأت الجماهير التي تخطيتها في الهمهمة وهي تأيد كلام هذا الانسان المشكلة، وفجأة اقترب مني الضابط المسؤول وهو يخبرني ” ارجع مكانك يا محترم”، طبعا كلمة محترم في هذا الموقف تعني العكس تماما، ولكنني شعرت بقوة خفية لأنني اعلم بأن هذه مجرد تمثيلية متفق عليها وان المسلكاتي يمسك بزمام الأمور وسيتدخل في اية لحظة ليخلصني من انياب النظام. تلفت يمنة ويسرة لأبحث عن البطل المغوار ولكنه غاب كإبرة في وسط كومة قش، تركني وحيدا مجابها النظام ومحاربا عقودا طويلة من الزمن احتاجته البشرية حتى اخترعت نظام الطابور لخدمة الحشود بشكل متساوي، وانا مجرد شخص لا امتلك أي نفوذ في الواقع انا مجرد انسان ظن بمساعدة المسلكاتي ان القانون والنظام والتطور الحضاري البشري وكل التعابير الخاصة بالعدل والمساوة مجرد تفاهات تطبق على غيري فقط.

تركني ابن الملعونة لأواجه كل هذا لوحدي مشلولا عاجزا عن التصرف ولكنني مرتعب من فكرة أخرى طرأت فجأة على بالي، لقد اختفى ابن الذين مع امتعتي، كل ما املكه بحوزة هذا الغريب عني تماما والذي اقتنعت بأنه مخلص مجد امين في عمله، مع انني في قرارة نفسي متأكد انه مجرد لص متسلق . هربت هروب الشجعان من امام الحشود الغاضبة وانا أحاول تفادي نهاية المتنبي عندما ذكره غلامه بأنه القائل ” الخيل والليل والبيداء تعرفني” لحظة فراره من جنود فاتك الأسدي. هربت بهدوء حتى لا اكسر هيبتي امام الجماهير، فمن المعيب ان يهرب الملك مثل العامة، هناك طريقة فريدة في الهروب لا بد وان يتقنها أبناء الاكابر لتفرقهم عن العامة حتى في لحظات الهروب.

في اثناء هروبي او فلنقل ابتعادي عن مسرح الجريمة امسكتني يد حانية وعندما التفت وجدت صديقي المسلكاتي وهو ينظر الي مبتسما، عاد كالعنقاء من وسط رماده لينقذني من جديد ولفرط سعادتي لم اغضب لأنه هرب وتركني وحيدا في المعركة او لأنه فر مع امتعتي، لقد سامحته فورا لان خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب وهكذا سرت من جديد خلف الجنرال مسلكاتي لنبحث عن بوابة جديدة في الدخول بعيدا عن ذلك المسن النكدي والذي كلفنا الكثير من الوقت والمال وجاء الى المطار وهو في حالة نفسية سيئة وتظاهر بأن الحياة في الخارج تسير على نمط ادق من الساعة السويسرية ولهذا غضب من فعلتنا المخزية عندما عطلنا هذا النظام، كلانا يعرف بأن الساعة تسير بالمقلوب بل بالمشقلب في الخارج وبأن ما فعلته لا يعد عيبا او منكرا لأنه سنة الحياة ولهذا لن اغفر له ابدا تصرفه الغريب والغير معقول ابدا. لم يخب ظني في المسلكاتي، فأنا اتعامل مع خدماته منذ سنوات طويلة واعرف مقدار تغلغله في كل مفاصل الحياة، بدرهمك المنقوش ستصل الى مبتغاك قبل غيرك ولقد وصلنا وعبر بوابة أخرى لا يوجد فيها عجوز نكدي منتظرا دوره، كان جمهور الانتظار هنا مطيعا لينا وهو يراني اقفز امامهم واسرق دورهم وادخل الى جهاز التفتيش قبلهم وهم ينظرون الي بصمت مطبق وكأنني غير موجود، نجح المسلكاتي وليمت ذلك العجوز النكدي في غيظه.

عبرت جهاز الفحص واستلمت امتعتي واختفى المسلكاتي فجأة وكما ظهر فجأة باحثا عن فريسة جديدة مستعدة ان تخترق النظام بمعيته نظير مبلغ مالي، لتدق مسمار جديد في نعش الحضارة والرقي. ولكن عبوري هذه المرة كان مختلفا عن المرات السابقة، لم احس بطعم الفوز ولم احس بأنني شخص مميز جدا وبأنني استطيع ان اشترى النظام بأموالي، لقد علقت صرخات ذلك العجوز في اذني ” الراقل دا مش في الطابور” ، تمزقني من الداخل وتسيل دماء خجلي وانا اعرف بأنني قد ارتكبت جريمة قبل قليل او جنحة او فلنسمها بما نشاء، ولكن فلنتفق على انه اختراق سافر للنظام والقانون وانني قد فعلت ذلك متعمدا ومن دون حاجة ضرورية غير انني لا اريد ان اقف لمدة دقائق معدودة في طابور انتظار. ” الراقل دا مش في الطابور” صرخة عظيمة من رجل عظيم مل من امثالي ومن أمثال المسلكاتي وهو يرانا يوميا نحاول القفز فوق الجميع ونسرق الفرص من موائد المستحقين. ” الراقل دا مش في الطابور ” صرخة رجل شريف يحاول فيها ان يوقظ مصر من سباتها ليعود فيها النظام الذي اختفى من شوارعها منذ فترة طويلة، صرخة ضد كل فوضى في انحائها، ضد المناوشات في الشوارع، ضد الغش المستشري، ضد استغلال الغني لأمواله ليضمن معاملة مميزة، ضد الكذب في كل شيء ومن اجل كل شيء، ضد أعداء مصر في الداخل، أريد ان يتوقف طنين جملتك في اذني ” الراقل دا مش في الطابور ” فسامحني يا سيدي.

Share Button