أحمد والقلادة

محمد حسن المرزوقي
العام 2025م
استيقظ احمد صباحا على صوت هاتفه النقال منذرا بقدوم اتصال، نظر احمد بتكاسل الى الساعة، إنها الثامنة صباحا وهو لم يتعود الاستيقاظ مبكرا في فترة اجازته الصيفية بعد تخرجه حديثا من المدرسة. احتار بين تجاهل المكالمة او الرد عليها ولكن فضوله غلبه في النهاية ليجيبها، على الطرف الاخر من المكالمة كان المتحدث يعرف عن نفسه وعن سبب اتصاله، اعتدل احمد في جلسته وحاول ان يطرد اثار النوم من صوته وهو يرد على الطرف الأخر: نعم بالتأكيد سيشرفني ذلك.
كانت والدته على معرفة بهذا الامر عندما اخبرها بالاتصال الوارد من مكتب ذوي الشهداء والذي طلب منه أن يتجهز للسفر العاجل غدا، قبلته على جبينه كعادتها كل صباح وقالت له: اذهب بحفظ الرحمن يا ولدي ولا تنسى من كان والدك.

والده الشهيد الذي توفي منذ عشرة أعوام يعود الأن فجأة الى حياته، خفتت ذكراه بمرور الزمن وانشغاله بالدراسة وتولي شؤون والدته بوصفه الابن الوحيد لها، لم يبقى من ذكراه المحسوسة سوى القلادة العسكرية التي كان والده يرتديها لحظة استشهاده والتي انتهى بها المطاف لاحقا لتطوق عنق احمد وتصبح صديقته الدائمة والتي يقسم انها تهمس في اذنه ليلا وهي تتمنى له احلاما سعيدة.

في الموعد المحدد وصلت السيارة التي ستقله الى المطار، استقلها بعد ان ودع امه وفي خلال وقت قصير كان امام باب المغادرين في مطار أبوظبي، استقبله بالترحاب الضابط المسؤول عن تنظيم الرحلة وأخذه ليلتحق بباقي زملائه، كان هناك قرابة العشرين شابا من مختلف الاعمار ولكنهم يتشابهون في الصفة الوحيدة المشتركة بينهم: ابن الشهيد. نظر إليهم الضابط بفخر ثم قال لهم: هيا بنا، عدن بانتظاركم.

عند نزولهم من الطائرة في مطار عدن الدولي الجديد والذي افتتح قبل عدة أعوام، لفت انتباهه ضخامة المبنى وحداثته، بدأت الاستثمارات الدولية بالانسياب على اليمن بعد انتهاء حرب التحرير وقامت مجموعة استثمارية خليجية بتوقيع عقد لإنشاء وإدارة المطار.
فور خروجه من باب المطار كان بانتظارهم وفد يمني رسمي بصحبة فتيات صغيرات يحملن عقود من الفل طوقن بها عنق كل فرد منهم كعربون شكر، دمعت عينا احمد فهو لم يتوقع مثل هذا الاستقبال الدافئ فور وصوله.

في الحافلة التي اقلتهم إلى وجهتهم شاهد من خلال النافذة أعمال البناء والتعمير الضخمة والتي بدأت تظهر من كل جهة، العشرات من الأبراج الراقية التي اكتمل بنائها تصطف على الشوارع الحديثة والمشجرة، النظافة والنظام في كل مكان، ولدت عدن من رمادها تماما كالعنقاء، ولدت بعد ان ارتوت بدماء الشهداء المخلصين من أهلها ومن الخليج العربي وها هي اليوم تقف بشموخ من ابى الخضوع والاستسلام تعلن لقوافل الشهداء ان تضحياتهم قد مهدت الطريق لكل ما يراه أبنائهم اليوم.
وصلوا الى مبتغاهم بعد رحلة قصيرة، توقفت الحافلة أمام مبنى ضخم انتهى إنجازه ويحمل لافتة ” مستشفى شهداء الإمارات في عدن ” ، امام اللوحة التذكارية الضخمة المنصوبة امام مدخل المستشفى لمح اسم والده منحوتا بجانب أسماء كافة شهداء الإمارات في اليمن. خيل إليه أن صورة والده قد تشكلت امامه وهي تنظر له بفخر، في اخر اتصال بينهم طلب منه والده وعلى الرغم من صغر عمره وقتها ان يتولى مسؤولية المنزل في غيابه، لم ينسى هذه الأمر أبدا وكان يحاول دائما أن يكون على قدر المهمة، و الأن يقف بفخر امام والده ليخبره بأنه قد نفذ وصيته. توالت كلمات الترحيب التي القاها العديد من القادة اليمنين وكانت تركز على مدى شعورهم بالفخر اليوم وهم يقفون مع أبناء الشهداء الذين أعادوا لعدن ولليمن الحرية.

تكرر اسم عدن كثيرا وكانت الأفكار تتصارع في رأس أحمد وهو يستمع الى هذه الكلمات، شرد بتفكيره بعيدا في أزقة عدن القديمة، عدن هذه المدينة الغريبة التي لم ازرها من قبل، كم كنت أغار من عدن يا والدي، عدن التي ذهبت إليها ولم تعد منها، عدن التي عشت فيها شهور عديدة بعيدا عني، المدينة التي بذلت فيها دمك رخيصا من اجل تحريرها، المدينة التي تلونت رمالها بدمائك، المدينة التي قضيت فيها اخر لحظات حياتك، احس بالغيرة منها لأنها المكان الذي احتواك وضمك في اخر لحظات بعد التفجير الغادر الذي وقع في المعسكر الحربي، كنت أتمنى لو كنت أنا من ضمك لحظتها وأن أغرق في صدرك لتعلق رائحتك في اعمق خلايا دماغي وأحبسها هناك الى الابد، كنت أتمنى أن أكون وقتها بقربك لأخبرك بمدى حبي لك وأمسح أثار الحرب عن وجهك، لكن جرى كل هذا جرى وأنا بعيد عنك، نالت عدن شرف الحصول على كل هذه اللحظات معك بينما كنت أنا بعيدا عنك. نعم كنت أغار منها يا والدي ولكنني الأن وبعد زيارتي الأولى لعدن لم أستطع إلا أن أحبها، عدن أيتها الجميلة الناعسة منذ ألوف الأعوام بين الجبل والبحر، يا عين اليمن ويا مرسى الحضارات، ارجوك احكي قصة والدي لكل من سيسكن أحيائك وسيمشي في أزقتك ويعبر دروبك، أخبريهم بأن الشهداء هم من رسموا مستقبلك وأنهم لهذا أحياء عند ربهم يرزقون.

في طريق عودتهم الى المطار وبعد انتهاء الاحتفال، كان احمد مطرقا رأسه وهو يفكر بكل ما جرى اليوم، كان يغالب نفسه لكي لا يبكي على ذكرى والده والتي انفجرت اليوم، غالب نفسه كثيرا منذ كان طفلا في الثامنة من عمره من اجل ان يمنع عواطفه من الظهور للعلن، كان يحاول دائما ان يظهر بمظهر صلب لكي تستند إليه أمه في وحدتها بعد رحيل والده ولكن الان لا يستطيع منع دموعه الفرار من عينيه، بكى احمد بصمت لوحده طوال الرحلة الى المطار، كانت دموعه تتقاطر عن وجهه فتمس القلادة المعدنية لتعيد لها الحياة شيئا فشيء، قبل هبوطه من الباص، سمع صوتا يهمس له ويخبره بأن البكاء ليس بعيب، ابكي واغسل الهموم عن صدرك ولكن بعد ذلك امسح الدموع عن عينيك وارفع رأسك وتذكر من كان والدك، تذكر الشهيد سالم. كان الصوت قريبا جدا يوشوش بهذه الكلمات الدافئة، استجاب لها احمد وارتسمت ابتسامة الرضا والفخر على وجهه الذي رفعه ليستقبل الحياة من جديد، وضع يده على القلادة وتمتم بصوت منخفض، شكرا يا صديقتي القديمة .

Share Button

في فريجنا بانوش !

” معظم الشوارع سميت على الخشب، كنا نتمنى أن تسمى على الشعب”
تغريدة جميلة اختصر فيها الفريق ضاحي خلفان تميم المشكلة والحل

في العام ١٩٨٣ وعندما كانت بومريخة لا تضم الا ٦٠٠ منزل قرر أحد سكانها ان يساهم في دعم انتشار الرقعة الخضراء فقام بزراعة عدد من أشجار النخيل على الطريق الهادئ وقتها الرابط بين إمارتي ابوظبي ودبي والمار بمنطقة بومريخة وتعهدها بالرعاية والري، لم يطلب منه أحد القيام بذلك، كان وعيه الاجتماعي مرتفعا وكان يشعر بأن المواطنة هي ان تخدم وطنك بصمت بدل أن تتوقع أن تقوم الحكومة بخدمتك في كل شيء. وصلت الأخبار سريعا الى الشيخ زايد بن سلطان عن هذه المبادرة الفردية فأمر بزراعة الطريق بأكمله وان تتعهد الدولة برعايتها الكاملة للمشروع، كانت رسالة شكر لهذا الشخص ولكافة سكان بومريخة وقتها من والد الامارات رحمه الله والذي كان يفرح بمثل هذه المبادرات دائما.

بحثت عن اسم هذا الشخص كثيرا وسألت العديد من سكان بومريخة عن القصة بدون جدوى إلى أن تمكن أحد أعضاء ” قروب الطيبين ” ممن عاصر انشاء وتوسع بومريخة من تذكر اسم الشخص وتأكيد الحادثة وأنا متأكد بأن اكثرية الشباب في بومريخة وما جاورها من مناطق سكنية ضخمة لا يعرفون من هو السيد سالم سبت غانم ولا يعرفون عن مبادرته وعن مكافئة الشيخ زايد لفعله ولسكان بومريخة قبل أكثر من ثلاثين عام.

في بومريخة اليوم شارع الدقل وشارع النهام وشارع البانوش وشارع 41 وشارع 51! ولكن لا يوجد شارع يحمل اسم سالم غانم، ذاكرة الأحداث في فريجنا على وشك الاختفاء وبدل توثيقها على صدر لوحات الشوارع فإن شوارعنا باتت تحمل اسماء غريبة لا تخبر سكان المنطقة شيئا عن تاريخهم، لا اعتقد بأن سكان الشهامة كانوا من الغاصة حتى نذكرهم يوميا بكلمات الدقل والبانوش ولكنني متأكد بأننا بحاجة الى ان نذكرهم بالسيد سالم.

في بومريخة كنت أتمنى أن أرى شارعا يحمل اسم أحد سكانها، شارع يحمل اسم الممثل محمد راشد-رحمه الله والمشهور بالكراني نسبة الى دوره في أشهر مسلسل تلفزيوني إماراتي ” شحفان” وشارع يحمل اسم جمعة صالح أول مدير مدرسة في بومريخة والذي تخرج على يديه الألاف من الطلبة أو شارع يحمل اسم التميمي-رحمه الله أشهر مؤذن في بومريخة أو شارع يتزين باسم ” محمد علي ” أول شهيد تقدمه بومريخة دفاعا عن الوطن .

هنالك العديد من الشخصيات العظيمة التي عاشت في بومريخة وتركت بصمة واضحة على سكان هذا الفريج الشعبي وأنا متأكد بأن هنالك العشرات غيرهم في كل فريج شعبي في الامارات ولكن ان لم نبادر الى تزيين شوارعنا بأسمائهم فإن الذاكرة ستخوننا في وقت ما وسيصبحون مجرد سراب معرض للاختفاء في أي وقت.

نريد أن نزرع في أبنائنا أننا نحترم ونحتفل بالمثقف والمدرس والمعلم وامام المسجد والشهيد وأمثالهم ممن يعملون بصمت وجد من أجل وطن أفضل للأجيال القادمة ولهذا تزدان شوارع فرجاننا الشعبية بأسمائهم. أتمنى ان تتحرك الجهات المسؤولة عن أسماء الشوارع في الامارات كافة لحل هذه المشكلة واختيار الأسماء بطريقة هادفة يكون من خلفها رسالة سامية فهل تتحقق الأمنية؟ أترك الإجابة للجهة المختصة .

نسيت أن اخبركم بأن بومريخة لم تعد تعرف بهذا الاسم الأن لأن الشيخ زايد رحمه الله كان مارا بالمنطقة بعد فترة قصيرة من إنشائها فتعرضت سيارته لحادث بسيط، فهب شباب المنطقة لمساعدته فقرر تغيير اسم بومريخة الى ” الشهامة” للدلالة على شهامة اهل المنطقة، قلة تعرف هذه القصة ولكن بإمكان شارع واحد فقط حفظ الذكرى الى الأبد.

Share Button