المريض لا يهبط بالبراشوت

كنت حاضرا في أغلب المشاهدات التي سأوريها لكم

بداية لابد وأن أتقدم بالشكر لسفارتنا في جمهورية سنغافورة فما يقومون به من جهود في خدمة المرضى الاماراتيين في الخارج يفوق ما تقدمه سفارة أي دولة أخرى وانا متأكد بأن كل سفارتنا حول العالم تقوم بنفس هذه المهمة على اكمل وجه. لا امتلك مخزونا كافيا من كلمات الشكر لمنسوبي سلكنا الدبلوماسي ولا للقادة الذين رسخوا هذه الروح العظيمة في نفوسهم، هنيئا لنا بما يقدمونه من دعم وخدمات لكل مواطن إماراتي في الخارج.

دخلت م وهي سيدة ناهزت الستين من عمرها إلى بهو المستشفى الحكومي فلم تجد أحدا في استقبالها، لم تعرف إلى أين تتجه بعد أن انزلها السائق عند مدخل المستشفى، حاولت أن تسأل أحد الممرضين بالمستشفى ولكنه لم يكن يتحدث العربية ولم يستطع التواصل معها، لولا تدخل أحد المرضى وتواصله مع الممرض لما استطاعت هذه السيدة أن تعرف أين هي عيادة القلب التي تتعالج فيها. في جمهورية تايلند وعند باب المستشفى يقابلك موظف الاستقبال بابتسامة غير متصنعة وهو يحييك بالعربية، نعم يا سادة بالعربية في دولة غير عربية، ثم يقوم باستدعاء مترجم يتحدث العربية ليكون مرافقك طوال زيارتك للمستشفى!
مستشفياتنا بحاجة ماسة إلى تغيير الفكرة النمطية عن المستشفيات الحكومية والتي تقوم على مبدأ شبيه ب ” الداخل اليها مفقود ” – التحدث بالعربية لابد وأن يكون فرض عين على جميع العاملين لا فرض كفاية يسقط إن اجادها عشرة موظفين!

“م” الطفل الصغير والذي كان يتعالج في الولايات المتحدة وعاد مؤخرا الى الامارات بعد ان من الله عليه بالشفاء، وخلال تردده على المستشفى الحكومي في مدينته لإجراء الفحوص الدورية كان يمتلك امنية وحيدة ولكن المستشفى المحلي رفض تلبيتها، كانت غرفته تطل على ساحة العاب مخصصة للأطفال، كانت كل امنيته ان يتم افتتاح هذه الساحة ليلعب بها ولكن هذه الساحة كانت مغلقة منذ أعوام وتم رفض طلب “م” بدون ابداء الأسباب وبدون ان يفهم السادة الأطباء والإداريين في هذه المستشفى الحكومي بأن نصف العلاج في حالة “م” يكمن في الدعم النفسي.
في الولايات المتحدة كان فريق التطبيب والتمريض ل “م” يولي عناية خاصة للحالة النفسية للمريض ولمرافقيه كذلك لانهم يدركون بأنها عملية مترابطة وبأن الدعم النفسي الذي سيناله المريض ومرافقيه سينعكس على حالته المرضية إيجابا.
مستشفياتنا الحكومية قد لا ينقصها الأطباء المؤهلون علميا ولكن ينقصها الطبيب الذي يدرك بأن العقار الطبي ليس هو العلاج الوحيد للكثير من الأمراض.

“ج” الطفلة المصابة بمرض نادر منذ ولادتها جعلتها عاجزة تماما عن أداء الوظائف الطبيعية للإنسان بدون دعم خارجي، لم يتم تشخيص حالتها عند ولادتها في المستشفى المحلي بالرغم من الاشتباه بحالتها خلال الفحص الطبي لها قبل الولادة ولكن لم يتم اخضاعها للمزيد من الفحوص الا بعد مرور شهرين على ولادتها وحتى بعد ذلك اخبر المستشفى والديها بأن الأجهزة اللازمة للقيام بهذه الفحوصات تعاني من ضغط كبير وبأن الفحوصات ستحتاج الى عدة اشهر لاستكمالها، قام والداها بالسفر الى دولة خليجية مجاورة لزيارة مستشفى خاص وهناك تم عمل كافة الفحوصات اللازمة خلال يوم واحد!
بعض مستشفياتنا خصصت الجزء الأكبر من ميزانيتها لعلاج أمراض الكحة والانفلونزا وتناست بأن واجبها أن تنظر لعلاج الحالات المستعصية لأن هذه الحالات لا يمكن علاجها بحبة بنادول!

“ش” قامت بالولادة بعملية قيصرية في مستشفى حكومي وحيد في العاصمة وقامت بحجز غرفة خاصة بها لتستطيع الراحة وبما يتوافق مع حالتها الطبية بعد العملية، قيمة ايجار هذه الغرفة في الليلة كان 500 درهم وهو يوازي قيمة حجز غرفة في الفندق ذي النجوم الخمسة المجاور للمستشفى ولكن مع التفاوت الكبير في المستوى بين الغرفتين من حيث الاهتمام والمستوى، ومع هذا فإن إدارة المستشفى قد اخبرتها بأنها لابد وأن تغادر هذه الغرفة بعد ثلاثة أيام ومهما كانت ظروفها، في نهاية اليوم الثالث غادرت غرفتها متجهة الى منزلها على كرسي متحرك بسبب عدم قدرتها على المشي. طوال مدة اقامتها لمدة ثلاثة أيام لم تقم الطبيبة المشرفة بزيارتها الا مرة واحدة فقط للاطمئنان على حالتها كما انها لم تقابلها عند خروجها لتتأكد من استقرار حالتها والسماح لها بالذهاب الى منزلها. لو حجزت “ش” غرفة في الفندق المجاور لقام العامل المسؤول عن الغرفة بطرق بابها مرتين في اليوم ليتأكد من ” أن كل شي تمام ” !
ربما حان الوقت لنخبر المهندسين المسؤولين عن تصميم مستشفياتنا الحكومية بأننا نطمح أن تكون المباني والتجهيزات مشابهه لمباني الفنادق الفخمة بل وأن يتولى أحد الفنادق إدارة المستشفى وبما إننا أصبحنا ندفع ثمن الإقامة.

في مستشفى حكومي مختص بمعالجة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كان الإباء يتدافعون حول الطبيب الوحيد والذي تأخر عليهم وهو يتناول غداءه، لا يوجد غير هذا الطبيب ليقوم بفحص وتشخيص حالات أبنائهم ولهذا فإن حجز المواعيد يكاد ان يكون مستحيلا وتفصل بين مواعيد المراجعة شهور طويلة بينما يحتاج المريض من هذه الفئة الى مراقبة دائمة لتفادي انتكاس حالته، صرخ فيهم الطبيب غاضبا لدى رؤية تجمرهم: ما الذي تريدونه كلكم ولماذا تتصرفون بهذه الهمجية؟ من لا يعجبه الوضع فليتفضل بالشكوى لدى إدارة المستشفى!
ربما حان الوقت لأن نجعل تقييم الطبيب في يد المريض لا في يد إدارته لعله يدرك بأن مصدر رزقه هو الشخص الذي يعاني أمامه لا مديره الجالس في غرفة وثيرة الأثاث.

مستشفى حكومي مهيب في وسط واحدة من أغنى مدن العالم، مبناه قديم قدم الاتحاد نفسه، المريض المحظوظ من سيجد موقفا شاغرا لسيارته وسيضطر الى أن يمشي مسافة طويلة ليصل إلى باب المستشفى وتحت اشعة الشمس الحارقة. في نفس المدينة يوجد مركز تجاري ضخم به مواقف مغطاة متعددة الطوابق وفوق هذا فلقد وفر خدمة صف السيارات عند باب المركز.
ربما حان الوقت لنخبر مهندسي البناء في القطاع الصحي بحقيقة أن المريض لا ينزل الى المستشفى بالبراشوت من الفضاء وبأن توفير موقف ملائم لسيارته هو احدى الضرورات البديهية وأن توفير مساحة يتم تأجيرها لبناء مقاهي ومطاعم وغيرها من المرافق فكرة قديمة في كافة مستشفيات العالم الأول والاحرى بهم أن يضيفوها إلى مخططاتهم.

أ، و، ح، و، ر يذهبون للعلاج قسرا في المستشفيات الخاصة والتي يتعالجون بها على حساب برنامج ثقة الوطني ولكن المستشفى الخاص يصر على اجراء فحوصات عديدة مكلفة قد يكون بعضها غير ضروري ولا يملك المريض ان يحتج عليها فكل شيء مدفوع عن طريق ثقة وكل ما عليه ان يقدم هويته الوطنية. مؤخرا قامت هيئة الصحة بفرض رسوم على هذه الخدمات ولكن هل سيوقف هذا جشع تجار الطب؟ ومن سيحمي المريض من سندان جشعهم ومطرقة الرسوم وهو الباحث عن قشة يتعلق بها من الغرق في بحر المرض!
ربما حان الوقت لوقف زحف المستشفيات الخاصة، أو وضع المزيد من القوانين المقيدة، فلقد أصبح إفتتاح مستشفى خاص بقصد الربح الفاحش اسهل من افتتاح مخبزفكل ما عليك هو إستئجار فيلا ومن ثم إعادة تأجيرها لمجموعة من الأطباء والذين سيقومون بفرض رسوم خيالية تتحملها ثقة لأنها وثقت بمن هو ليس اهلا للثقة!

كانت مستشفياتنا الحكومية رحبة بأعداد المرضى المواطنين ولكن قرر أحدهم بأن تتحمل الدولة علاج الوافدين كذلك في المستشفيات الحكومية مع إن تأمينهم الصحي يمنحهم الحق بالعلاج في المستشفيات الخاصة، فجأة غصت مستشفياتنا الحكومية بأعداد هائلة من الأخوة الوافدين وباتت عاجزة عن توفير العلاج المناسب في الوقت المناسب للمواطن والوافد! لا اريد ان يتم استخدام كلماتي من قبل مناصري العنصرية ولكننا نتكلم عن العلاج يا سادة وهو أهم ما تقدمه أي حكومة لأبنائها، وبعد افتتاح العشرات من المستشفيات الخاصة وبعد تطبيق نظام ضمان للتأمين الصحي لغير المواطنين بت عاجزا عن فهم موضوعية فتح المستشفيات الحكومية للجميع!

لا يسعى المريض إلى العلاج في الخارج دلعا أو بغرض السياحة، كل ما هنالك أنه فقد ولسبب غامض ثقته بالمستشفى الحكومي، شيء في هذا الصرح يدفعه للفرار منه موليا الادبار، قد يكون السبب المبنى القديم المتهالك، او تجهم ممرضة او رطنة الدكتور الأجنبي او عدم الاهتمام بتوفير المعدات اللازمة او صفوف الانتظار الطويلة امام الصيدلية او حتى موقف السيارات العصي، لا أعلم السبب ولكنني اعلم بأن الدولة تصرف المليارات سنويا على علاج أبنائها في الخارج وهذه المليارات كان من الممكن ان تصرف في داخل الدولة لو رجع اقتناع المواطن بالمستشفى الحكومي وستسهم هذه المليارات في دعم نشاط البحث الطبي داخل الدولة وهو نشاط يقف بعيدا جدا عن باقي مؤشرات النمو المتسارعة في الدولة. ربما تساهم المستشفيات الحديثة التي تم افتتاحها مؤخرا في جزيرة الريم والمفرق قريبا في حل هذه المشكلة إن هي اولت اهتماما كافيا بكافة النقاط التي ذكرتها مسبقا، فهل يتحقق ذلك ؟ وهل يصبح العلاج في الخارج أثرا بعد عين ويصبح المستشفى الحكومي هو خيارنا الأول دائما؟ اترك الإجابة لذوي الاختصاص.

Share Button