اقتصاد المشاركة

في صباح احد الأيام وبينما كانت امي تعد لنا الإفطار اكتشفت بأن السكر قد نفذ منا ولم تعرف كيف تتصرف فوالدي في العمل ولا توجد بقربنا أي بقالة وكانت المشكلة الأكبر بأننا قد انتقلنا حديثا للعيش وسط حي جديد لم نعرف فيه احد ولم تكن تستطيع ارسالى الى بيت جارتنا لنستعير منها كوبا من السكر وكما كانت تفعل مسبقا في حينا القديم والذي كان من الطبيعي فيه ان تستعير فيه الجارات من بعضهن ما ينقصهن من أغراض يومية . لو كانت الانترنت والايباد والتطبيقات الذكية موجودة يومها لربما استطاعت والدتي حل مشكلتها في ذلك اليوم ولكنني أتذكر بأننا قد شربنا الحليب يومها بدون سكر.

ما أتكلم عنه سابقا من نظام تشارك الجارات في الحي الواحد قديما لأغراضهن اليومية مما سهل حياتهن قليلا هو أساس ما يطلق عليه الخبراء اليوم اقتصاد المشاركة وهي الظاهرة التي بدأت تنمو فجأة وبسرعة كبيرة حول العالم ووصل حجم هذه التجارة اليوم الى اكثر من ثلاثين مليار دولار امريكي ومتوقع وصولها الى اكثر من ثلاثمائة مليار خلال اقل من عشرة أعوام. وهو نظام بسيط يعتمد على مشاركة ما نمتلكه ولا نحتاجه كلية او جزئيا مع الاخرين بسعر محدد او مقابل خدمة أخرى.
بلا شك فإن الدافع الاكبر لازدهار اقتصاد المشاركة هو الوضع الاقتصادي الصعب حول العالم مما دفع الكثيرين الى البحث عن طرق جديدة ومبتكرة لتوفير البضائع والخدمات بسعر اقل من سعر السوق كما ان توفر التطبيقات الالكترونية على شبكة العالم مكنت مستخدمي هذه البرامج ضمن اقتصاد المشاركة من الوصول الى شريحة اكبر من المستخدمين ممن يستطيعون توفير احدى البضائع او الخدمات لك بسعر جيد.
لنأخذ على سبيل المثال احد اشهر أنواع اقتصاد المشاركة وهو تطبيق اوبر وكافة التطبيقات الأخرى المشابهة والذي يساعدك في البحث عن اقرب سيارة اجرة متوفرة لتقلك الى وجهتك عن طريق نقرات بسيطة على شاشة هاتفك المتحرك. انت لست بحاجة الى الوقوف تحت اشعة الشمس بعد الان في صفوف طويلة للبحث عن سيارة اجرة فهذه الخدمة تعطيك المقدرة على ان تطلب سيارة الأجرة لتصلك الى امام منزلك وستخبرك كم من الوقت سيحتاجه السائق ليصل اليك وكم هي التعرفة المتوقعة لرحلتك وفي نهاية الرحلة ستتمكن من تقييم الخدمة بشكل كامل. ان هذه الخدمة البسيطة تقوم على أساس ان الكثيرين يمتلكون سياراتهم الخاصة ولكنهم لا يستخدمونها طوال الوقت فلماذا لا يقومون باستخدامها في أوقات فراغهم لإيصال الاخرين ولكسب مبلغ إضافي ؟ لا تمتلك اوبر اسطول سيارات ولا مكاتب منتشرة بكل مكان فكل ما قدمته اوبر هو تطبيق بسيط يربط بين البائع والمشتري ومكتب دعم فني للضرورة فقط.
مثال اخر، عندما تسافر لقضاء اجازتك السنوية المقبلة قد يكون من المفيد لك ان تشترك أولا في خدمة اير بي ان بي والتي تتيح لك استئجار الوف الشقق حول العالم من أصحابها مباشرة، ستتفاجئ من جودة الشقق المعروضة ورخص أسعارها مقارنة بالفنادق في نفس المنطقة وستجد انك قد وفرت الكثير عن طريق تطبيق اقتصاد المشاركة هذا.
يوجد في خزنة ملابسك الكثير من الملابس التي تود استبدالها بأخرى جديدة وتلائم الموضة، يوجد الان عدة تطبيقات مثل تطبيق بوش مارك والذي يتيح لك عرض كافة ملابسك واغراضك الشخصية للبيع او شراء مستلزمات الاخرين وبسعر ممتاز.
عندما تضع نقودك في البنك كوديعة فإن البنك يمنحك فائدة هزيلة سنوية على هذا المبلغ ولو حاولت ان تقترض من نفس البنك نفس المبلغ، فستلاحظ أن الفائدة التي يأخذها البنك منك مرتفعة جدا. البنك يستخدم اموالك لإقراض الاخرين ويحصل من خلال ذلك على فائدة كبيرة يقوم بإعطائك منها مبلغ بسيط و يحتفظ هو بالباقي، ان لم يعجبك الوضع هذا فبإمكانك اليوم وعن طريق تطبيق ليندج كلوب مثلا ان تقوم بإقراض الاخرين او الاقتراض من الاخرين مباشرة ولكنك ستحصل على صفقة افضل مقارنة بالصفقة التي يوفرها لك مصرفك المحلي.
هناك العشرات من التطبيقات الأخرى في شتى المجالات والعالم وخصوصا في أوروبا وامريكا يتجه بقوة نحو هذا النوع من الاقتصاد والذي سيغير من حياتنا وتصرفاتنا كثيرا ولكن المؤسف ان منطقتنا العربية ما زالت بعيدة جدا عن هذا التوجه فتطبيق مثل اوبر العالمي كمثال ما زال غير مرخص له رسميا في دولة الامارات على الرغم من ان الكثيرين يستعملونه اليوم ولكن لا توجد قوانين واضحة تحمي حقوق السائق او الراكب، على الرغم من ان هذا التطبيق من المفترض به ان يدفع قطاع النقل الحكومي المتمثل في اسطول سيارات الأجرة الرسمي الى تحسين خدماته او تعديلها او حتى الانسحاب مفسحا المجال للقطاع الخاص تماما . هذا مثال واحد على العديد من الأمثلة التي تبين غياب وجود قوانين واضحة وجدية تسمح ببداية انتشار اقتصاد المشاركة في الامارات والدول العربية ومازالت القطاعات الحكومية والخاصة تتجاهل ان هذا التغيير قادم لا محالة وانهم لابد وان يكونون مستعدين لتحملهم موجته بعيدا بدل ان تغرقهم.
اقتصاد المشاركة، تذكروا هذه الكلمة يا سادة فقريبا سنتمكن جميعا من ان نصبح تجارا ومستهلكين في نفس الوقت عن طريقه ومن أراد من الشباب المتحمس دخول التجارة وطرق أبواب الثراء فعليه ان يبحث عن تطبيقات مشهورة في العالم الغربي توفر مثل هذه الخدمات وان يحاول توفيرها وتطبيقها محليا وسريعا وتماما كما فعل مطورو برنامج كريم المنافس ل اوبر في منطقتنا فمثل هذه البرامج والتطبيقات لا تكلف كثيرا وقيمة التطبيق الناجح ستنمو تلقائيا مع ازدياد عدد المستخدمين ولتجد نفسك ضمن قائمة الأغنياء في سنوات قليلة.

Share Button