جاري السيخي

كان لنا جار سيخي في الماضي البعيد و أعتقد بأننا كنا أسوا جيران حصل عليهم هذا السيخي في حياته، فلقد كنا نتعمد ان نقذفه بالحجارة كلما مر امامنا، وكنا نقاطع سبابتينا أمامه ثم نتفل بينهما باتجاهه وهي إشارة كنا نعتقد بأنها تشكل اهانه له ولديانته، وكنا نتعمد أن نأخذ اغنامنا عندما كانت تربية الأغنام في المنازل مسموحة لـتأكل وتعيث فسادا في النباتات المغروسة امام منزله، طوال ثلاثة أعوام قضاها في حينا كنا نعلب دور الشياطين في حياة هذا البائس المسكين.

لم يقم هذا السيخي وطوال الفترة التي شاء فيها حظه العاثر أن يكون فيها غريبا وسط حي مسلم بأي تصرف مضاد باتجاهنا، لم يقم بالركض خلفنا مهددا ولم يرد على إساءتنا المتكررة له بل انه لم يقم حتى بمحاولة إيصال شكواه الى اهالينا لعلهم يردعون شياطينهم الصغار عن تصرفاتهم، أعتقد بأنه قد تعود على مثل هذه التصرفات وأدرك بأنه ولكي يتم مهمته التي اتى من اجلها الى الامارات فلا بد من أن يتغاضى عن كل هذا وأن يحمل حزنه وغضبه ويدفنهما غصبا عميقا في قلبه.

لم نكن نشعر بأي نوع من تأنيب الضمير ولم نكن نفعل ما نفعله بسبب شر كامن في نفوسنا فلقد كنا أطفالا صغارا في تلك المرحلة ولكن السر البسيط وراء تصرفاتنا كان في أن الكبار من شباب الحي قد أبلغونا بأن هذا المخلوق شيء رجس وبأننا سنتقرب الى الله إن تمادينا في اذيته ولهذا كنا نتصرف على إننا أداة الهية وبأن المجتمع سيشكرنا وسيشجعنا بلا شك على مثل هذه التصرفات، كنا نمثل وقتها ما يطلق عليه اليوم داعش بتصرفات تبغض المختلف وتبيح الاضرار به تقربا الى الله، و مخطئ من يظن بأن داعش هي وليدة الزمن الحالي والتقلبات الأمنية في المنطقة، ففي كل واحد منا وقتها كان يعيش دويعشي صغير ينتظر الفرصة الملائمة ليفجر في خصومته.

كانت مرحلة اليمة من طفولتنا واثرت علي بشكل اكيد في المراحل اللاحقة من حياتي والتي كنت ولفترات طويلة منها ابغض المختلف عن السائد من حولي ولولا الانفتاح الكبير في الدولة وهجرة الملايين اليها من البشر المختلفين عنا في الدين والعادات واللون والعرق ولولا التسامح الكبير الذي ابدته السلطات مع هذه الاختلاف وبشكل يحفظ الجميع من التصادم فيما بينهم لكنت الى الأن اؤمن بأن المختلف عنا رجس من عمل الشيطان .

ولهذا وعندما ثارت عاصفة خبر السماح ببناء معبد هندوسي في أبوظبي كنت من المؤيدين لهذا القرار ليس حبا في هذه الديانة وليس ايمانا مني بتفوقها، كل ما في الامر يا سادة هو انني لم أشأ ان يكبر طفلي وفي قلبه ذرة كره أو حقد ضد المختلفين عنه، لا أريده أن يظن واهما بأنه يمثل طبقة اسمى عن الأخرين ولا أن يصدق بأن هناك فرقة ناجية وحيدة ستدخل الجنة ولا أن يحاول لعب دور السيف المسلط على رقاب غير المسلمين ممن يعيشون فوق ارض الامارات، أريد منه أن يحترم كافة الديانات وحتى غير السماوية منها و أن لا ينظر باحتقار الى معتنقيها وأن لا يستهزأ بآلهتهم امتثالا للآية الكريمة ” ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم” ، أريده أن يدرك بأنه مجرد انسان مساوى في مكانته لباقي البشر في الأرض وبأن الصدف التي جعلت منه مسلما لا تبرر له أن يكون جارا سيئا إن شاءت الصدف المستقبلية واصبح جاره سيخي أخر.

جاري السيخي، أعتذر منك عن تصرفات الطفولة وأعدك بأنني لن أعارض ابدا بناء معبد لكم في بلدي وسأنظر الى هذا المعبد والى زواره بكل احترام، فيكفي أنني قد تسببت بأن ترحل عن حينا وفي قلبك كم كبير من الحزن والغضب ضد أبناء المسلمين ولهذا سأوعدك بأن لا يكرر أطفالي نفس الغلطةفهل ستقبل إعتذاري؟

Share Button

السائح الخليجي لابواكي له!

ملاحظة: هذا المقال بناءا على ما شاهدته انا في خلال زيارتي الأخيرة للنمسا ولا يشجع أو يبرر بعض الممارسات الخاطئة التي يرتكبها قلة قليلة من أبناء الخليج.

مع انتهاء كل موسم سياحي تنطلق سهام الاتهام باتجاه السائح الخليجي في الدول الأوربية وهي سهام يكون أغلب مطليقها ومروجيها هم من الخليجيين أنفسهم ممن يهوون جلد الذات والشعور بالخزي والعار من أبناء جلدتهم ويرون بأن أغلب الخليجين هم كائنات بدائية لم تتحضر بعد ومازالت تتصرف وفق قوانين الصحراء.

هذه الاتهامات قديمة قدم اكتشاف النفط في الخليج وانتشار الثروة بين مواطنيه ولكنها بدأت بالتعاظم مؤخرا بعد ان بدأت الطبقة المتوسطة في هذه المجتمعات بمزاحمة الطبقات المخملية الى هذه الوجهات السياحية بعد ان كان الاصطياف في الدول العربية هو خيارهم الأول مسبقا بسبب رخص الأسعار، ولكن ومع انعدام الامن في الدول العربية السياحية وانخفاض أسعار اليورو وانكشاف دول أوروبا الشرقية الرخيصة على السائح الخليجي أضحت أوروبا حاليا الملاذ المفضل صيفا لأغلب الخليجيين.

بداية لابد من التأكيد بأنه ان كان هناك من شوه سمعة السائح الخليجي فهم أبناء الطبقات الثرية اولا، فهؤلاء كانوا قادرين على السفر الى أوروبا منذ فترة طويلة وهم من كان يبالغ في ابراز ثرائهم للأوروبي والتصرف بخيلاء تتوافق مع تصرفاتهم في بلدانهم الام، هم اول من قام بالسكن في الفنادق الفاخرة وحجز الاجنحة الملكية وهم من قام بشحن سيارتهم الفارهة للاستعراض في شوارع لندن وباريس وهم من كان يقضي معظم يومه في التسوق بالمحلات الفاخرة والصرف ببذخ شديد بداعي الاستعراض ولعل مسرحية باي باي لندن والتي عرضت في العام 1981 دليل ادانة واضحة ضد هذه الطبقات الغنية وخصوصا محدثي النعمة في المجتمعات الخليجية كونها الوحيدة القادرة على السفر الى أوروبا في تلك الفترة فانتشار السفر الى القارة العجوز لم يصبح ظاهرة بين باقي الطبقات الا مع بداية الالفية الثانية . فلنتفق يا سادة اذن على ان اغلب من يشمئز من تصرفات مواطنيه في الخارج حاليا كان هو من بادر اول الى تشويه سمعتنا هناك ونحن نتحمل جميعا اليوم هذه السمعة السيئة وسيلزمنا عقود من الزمن لإزالتها.

ثانيا لابد وان نفهم انه من الظلم التعميم في موضوع السائح الخليجي فهناك ستة دول خليجية وهي وعلى الرغم من تقاربها في الكثير من عاداتها وتقاليدها الا ان هذا لا يعني ان شعوبها تتصرف بطريقة واحدة ولهذا فإنه من المجحف ان اتهم الجنسيات الخليجية الستة وأضعها في سلة واحدة فكل مسؤول عن نفسه وذاته وكل يمثل دولته وفقط.
النقطة الثالثة هي حقيقة ان السائح الخليجي اصبح يشكل اغلبية مطلقة في العديد من مدن أوروبا خلال إجازة الصيف ولهذا فإن الكثير من التأفف منهم لا يكون بسبب تصرفاتهم ولكن بسبب كثرتهم وتفوق اعدادهم على سكان المدن الأصليين فمدن صغيرة كزيلامسي ومنترو مثلا تصبح مقاطعة خليجية كاملة خلال الصيف وهذا قد يسبب بعض القلق والتذمر لابن هذه المدن وهذا شيء طبيعي بسبب الاختلاف الكبير في اللغة واللبس والتصرفات وكل شيء اخر، انه شيء طبيعي ان يتضايق ابن هذه المدن تماما كما نتضايق نحن أبناء الخليج من اعداد الأجانب الكبير الموجود في مدننا ولكن هناك فرق كبير بين ان تتضايق وتشعر بعدم الارتياح وبين ان تظهر كراهيتك وعنصريتك ضد هذا الأجنبي وللأمانة فأنا لم اشعر بمثل هذا الشعور العنصري من أبناء اغلب المدن الاوربية التي زرتها وخصوصا في سويسرا والنمسا.

السائح الخليجي الذي رأيته خلال زيارتي الأخيرة للنمسا كان يحاول بقدر استطاعته ان يلتزم بكافة قوانين السير مع صعوبة ذلك خصوصا وانه قادم من دول تنخفض فيها ثقافة قيادة السيارة مقارنة بالدول الاوربية، فإعطاء حق المرور للمشاة والقيادة ضمن السرعة المحددة وترك مسافة امان بين السيارات وربط حزام الأمان هي أشياء بديهية في أوروبا ولكنها نادرة التطبيق في وطنه الام ومع هذا لاحظت ان اغلب الخليجيين كان يحاول تطبيقها بل والاستمتاع بها متأملا ان يصبح الوضع في بلده مشابها لما يراه في أوروبا.

السائح الخليجي كان يحاول الاستمتاع بالمناظر الطبيعية في أوروبا وكما تعود ان يستمتع بها في بلاده، فكان من الطبيعي ان يحمل طعامه وشرابه معه وان يفرش مأدبة طعامه على الأرض وان يتجمع كافة افراد الاسرة لتناول طعامهم في الأماكن الطبيعية بالخارج بعكس اغلب الاوربيين ممن يستمتعون بالمناظر الخارجية بالمشي فيها لساعات طوال بدل الاكتفاء بالجلوس بجانب نهر مار او بحيرة جميلة كما يفعل الخليجي فهل في ذلك خطأ؟ انه مجرد اختلاف في الثقافات وفي الطريقة التي تستمتع بها بالطبيعة الخلابة وما حباه الله لهذه البلدان من جنات على وجه الأرض. وبرغم عادة الافتراش وتناول الطعام الا انني لم اشهد الا حالات قليلة جدا لرمي النفايات من قبل السائح الخليجي في هذه الأماكن الطبيعية وهي حالات لا تذكر مقارنة بأعدادهم الضخمة ولا يمكن تعميمها ابدا. ظهرت الكثيرات من بنات الخليج في أوروبا وهن يرتدين نقابهن وعباءاتهن في الغابات وفوق رؤوس الجبال الثلجية ووسط المناطق التجارية ولكن وبما انه لا يوجد قانون يمنع ارتداء مثل هذه الملابس فإن السائحة الخليجية لم تخرق أي قانون ولا يجوز بأي حال النظر اليها نظرة اتهام ودليل تخلف، وتماما كما يحق للسيدة الهندية ان ترتدى الساري وكما يحق للأوروبية ان ترتدى ملابسها القصيرة في أي مكان بالعالم فانه يحق للخليجية ان ترتدى ما تشاء في الخارج. وإن كان هذا اللباس يشكل مصدر تهديد وعدم راحة فالأحرى بهذه الدول الاوربية ان تسن القوانين التي تمنع السائحة الخليجية من لباسها التقليدي وتماما كما فعلت فرنسا ولكن والى حين سن مثل هذه القوانين فإن لباس الخليجية لم ولن يكون مصدر انتقاد او احراج لها.

الخلاصة يا سادة انه قد حان الوقت لكف سهامكم عن أبناء جلدتكم وإن كان لكم من نقد توجهونه فليكن بالطريقة الصحيحة وأبدأوا أولا بأنفسكم وبأهلكم ولكن لا تحاولوا النيل من سمعة السائح الخليجي وتضخيم أي زلل يرتكبه وتصويره على انه السائح الأسوأ عالميا، فحسب دراسة عالمية نشرت مؤخرا لم يكن هذا السائح ضمن قائمة اسوأ السياح من حول العالم تصرفا بل احتلت المراتب العشرة الأولى فيه جنسيات اوربية وأمريكية، قليلا من المنطقية لن يضركم وإن كنتم تشمئزون من المجتمع الذي خلقكم فأنتم في الحقيقة تشمئزون من أنفسكم فالثمرة في النهاية لا تسقط بعيدا عن الشجرة التي كانت تحملها.

Share Button