تهاوي مثلث الخجل الخليجي

كتب الكاتب الإماراتي المميز ياسر حارب في العام 2011 مقالا بعنوان مثلث الخجل الخليجي المقصود بها شعوب دول الإمارات وقطر وعمان وناقش فيه خجل مواطن هذه الدول من الظهور بعفوية في المناسبات الاجتماعية العامة او الخاصة وفي محاولته دائما الظهور بمظهر جاد وانيق و تحت كل الظروف، يقول ياسر في احدى الفقرات ” إحجام أبناء وبنات الإمارات عن المشاركة في الحراك الفكري والاجتماعي، داخلياً وخارجياً، يعد أزمة اجتماعية حقيقية، سببها، رُبّما، خجل غالبية أفراد المجتمع من إبداء آرائهم أمام الملأ، وربما يكون السبب هو عدم اكتراثهم بالتعبير عن أنفسهم للآخرين. يحرص الإماراتي دائماً ألا تُغضب آراءه أحداً ”
الان وبعد مرور اقل من اربعة اعوام فقط استطيع ان اقول بأن هناك مؤشرات تدل على أن الخجل الاماراتي الغير مبرر والذي تطرق اليه ياسر حارب في طريقه للانهيار بغير رجعة ولعدة اسباب تظافرت معا لكي تسمح بهذا التحول الجديد وفي فترة قصيرة ونفس هذه المؤشرات تنطبق على الشعب القطري والعماني ولو بدرجة أقل حاليا.

اولى هذه المسببات كان الاقبال على وسائل التواصل الاجتماعي والتي تعتمد على الصورة بدل الكلمة المكتوبة مما شجع الشاب الاماراتي على الظهور بمظهر شبابي يليق بعمره وباهتماماته ومن دون ان يأبه لما سيقوله الناس عنه في مدرسته و فريجه او مكان عمله. ظهر فجأة بن باز وتيم وراشد بخيت والاخوة بيمان وفيزي وغيرهم والذين يحاولون الظهور بمظهر يختلف كليا عن تصرفات الشاب الاماراتي الجاد المبالغ في اتزان تصرفاته وهم في طريقهم ليصبحوا ظاهرة يقلدهم الجيل الجديد ليشكلوا نواة لشخصية وشكل اماراتي جديد يختلف كليا عن الشخصية التقليدية الحالية.

السبب الثاني من وجهة نظري هو الاختلاط الكبير الذي حدث مع الشعب السعودي مؤخرا بسبب الطفرة في السياحة الاماراتية والذي ادى الى ان يتأثر الشاب والشابة الاماراتي بنظيره السعودي (الشعب السعودي والكويتي والبحريني هم نقيض زوايا الخجل الخليجي من وجهة نظر ياسر حارب )، فهو يراه يخرج الى مراكز التسوق والاماكن العامة بملابس بسيطة غير رسمية وبعفوية شديدة ولهذا بدأ هو ايضا بتجربة هذا الشيء بعد ان ضاق بالملابس الاماراتية الرسمية وبالغترة والعقال و التي كانت لا تفارقه مخافة القيل والقال و تأصل ثقافة العيب فيهم الى درجة أن من كان منهم يتجرأ بالخروج الى الاماكن العامة بدونهما فكان لابد وان يلبس القبعة الرياضية ليغطي بها رأسه ( الكاب ) . الان اصبح الخروج حاسر الرأس شيئا عاديا واصبح ارتداء الملابس الغربية امرا غير محرج لعدد كبير من الاماراتيين ومن يتجه الى هذه الناحية في ازدياد كبير وسنتحول في لبسنا وتصرفاتنا اقرب الى المجتمع السعودي والكويتي من المجتمع الاماراتي القديم ، سنخلع عباءة الخجل التي كنا نرتديها منذ فترة طويلة، وسيبرز جيل اماراتي اكثر تحررا وانطلاقا في افكاره وتصرفاته.

يقول ياسر في ختام مقاله ” إن المجتمعات الحية هي التي يتجاذب فيها أفرادها الرأي والأفكار، فيتفقون في بعضها ويختلفون في بعضها الآخر، وهي التي يُبدون فيها آراءهم بوضوح وجرأة وحيادية ” ، فهل سيثبت الجيل الجديد انه ماض في هذا الطريق ان انها مجرد موضة مؤقتة ستتلاشى وستغلبها التقليدية القديمة ؟ اترك الاجابة لهم .
مقال الكاتب ياسر حارب :

http://www.albayan.ae/opinions/articles/2011-12-10-1.1552057

Share Button

عزيزي صانع السلاح

يخرج ساشا كل يوم الى عمله والحزن يغطى وجهه الذي غطته تجاعيد سنوات طويلة، عندما يصل الى عتبات المصنع الذي يعمل فيه فإنه يصلى في نفسه داعيا الله ان يغفر له ما سيقوم به اليوم من خطايا، يدلف من الباب الرئيسي ولا يحيي أيا من رفقائه، فهو يعتقد بأن مخالطته للنفوس المشوهة التي تقوم بهذا العمل ستزيد من جراحه الداخلية، ساشا بالمناسبة يعمل في مصنع روسي للأسلحة .
كنت أتمنى دائما التعرف على شخص يعمل في مصنع للسلاح لأساله عن شعوره وهو يضع اللمسات الأخيرة على احد المسدسات، هل يعذبه ضميره عندما يفكر بأن هذا المسدس قد يتم استخدامه في قتل احد الأبرياء! انه شعور غريب من وجهة نظري ان تقوم بإنتاج سلعة ما وانت تعرف بأن هناك احتمال كبير بأن يتم استخدامها بشكل خاطئ وقاتل، وإذا لم تكن تحمل أي إحساس وقتها فهل سيتغير موقفك إن تم استخدامها في ارتكاب جريمة بحق أحد أفراد عائلتك ؟ من المخيف ان تجد الشرطة سلاحا بجانب جثة شخص عزيز عليك يحمل رقما متسلسلا يدل على ان هذا السلاح قد تمت صناعته في نفس المصنع الذي تعمل به.
عزيزي صانع السلاح في الوقت الذي تقوم فيه بعمل الاختبارات الأخيرة على ما تصنعه لتتأكد من انه يعمل جيدا، في اللحظة التي تلاحظ عمل الزناد وقبل اطلاق الرصاصة بثانية واحدة هل تتخيل بأن هذا الموقف سيتكرر مجددا ولكن هذا المسدس بالذات سيكون في يد شخص بائس مثلا يمر بأزمة حادة في حياته وقرر يومها انهاء حياته ليعمل السلاح الذي انتجته بكفاءة عالية وقتها ولتتحرك كل قطعة فيه كما يجب ولتنطلق الرصاصة بسرعة خارقة ولتنهي في لحظات حياة شخصا ما، هل تتخيل مثل هذه اللحظات وهل تشعر بأي ندم او حزن؟ ام ان الامر لا يعنيك ابدا ؟
في اللحظة التي تتأكد من ان القذيفة تحمل كمية كافية من المتفجرات هل تتخيل ولو للحظات قليلة بأن هذه القذيفة قد تسقط في المستقبل على منزل يضم عائلة تضم أطفالا في مقتبل أعمارهم، كل خطأهم هو سوء حظهم الذي وضعهم صدفة في مرمى النيران! لن تكون شريكا في جريمة قتلهم بالتأكيد ولكن ماهو شعورك وانت تعرف بأن بصماتك ستكون موجودة على القطع المتناثرة من سلاحك المتفجر جنبا الى جنب أشلاء هؤلاء الأطفال ؟
ماهي ردة فعلك عندما تشاهد نشرات الاخبار يوميا وهي تنقل اعنف المعارك التي تجري حول العالم وانت متيقن تماما بأن ما انتجته اليوم بإتقان وتفان سوف يتم استخدامه قريبا في احد هذه المجازر؟
لا اعرف ما هو حقيقة شعورك عزيزي صانه السلاح ولكن صديقي ساشا والذي التقيت به مؤخرا صدفة في اثناء اجازته بأبوظبي وسألته كل هذه الأسئلة أخبرني بأنه ومنذ ان أجبره والده على الالتحاق بهذا العمل بسبب عدم توفر مجال اخر للعمل في مدينته الصغيرة فإن هذه الأفكار السوداوية تسيطر دائما على عقله وتسلبه لذة الحياة، هو يعتقد بأن القدر قد رسم التعاسة كدرب لا مفر منه لبعض الأرواح على هذه الأرض وبأن ما يقوم به هو مجرد عقاب إلهي عليه ان يتقبله وان يمضي قدما في حياته.

Share Button