500 مليون درهم غيرت حياتي

تدرك كإنسان إنك لا تمتلك السيطرة على ما حولك من أحداث وانه وبسبب وجودك وسط مجتمع إنساني مترابط ومتشابك العلاقات فإنه من المستحيل أن تكون متاكدا تماما من سيطرتك الكاملة على أحداث يومك ومستقبلك , انك مقتنع في قرارة نفسك بأن هناك يدا خفية تسير الأمور من حولك وتقود الأحداث لترسم فصول قصة حياتك ومهما حاولت جاهدا أن تخطط لغدك بطريقة نظامية إلا انك في النهاية لاتملك الا أن تتمنى بأن القصة التى حيكت لك بيد القدر ستتوافق في اجزاء كثيرة منها مع مخططاتك واهدافك، إنها دوامة كاملة من الأحداث المتتالية والتى لاتملك في النهاية ألا أن تسلم أمرك تماما لها، وكأنك تعوم فوق طوف هوائي يجري بسرعة كبيرة في نهر هائج لا يتوقف ولا تملك خلال هذه الرحلة إلا أن تحاول تجنب الاصطدام بجدران النهر الخشنة لكي لا تثقب طوفك أو أن تصلى لكي لا تفاجئك دوامة شديدة غابت عن نظرك تتسبب في نهاية قصتك بشكل مفاجئ .

تغيرت حياتي تماما في العام 2004 و أخذت منحنا جديدا لم أكن اخطط له إطلاقا ولم يكن ماجرى لي من أحداث بعدها مرسوما في مخيلتي ولكن الصدف التي يساهم الآخرون في خلقها و تؤثر عليك لاحقا هي ما يجعل حياتنا أكثر تشويقا ومتعة، ففي العام 2004 فازت اتصالات الإمارات بالمزايدة التى جرت على الرخصة الثانية لانشاء الهاتف المتحرك بالمملكة العربية السعودية وكان الفارق بينها وبين اقرب منافسيها هو 500 مليون درهم فقط ومع أن انه مبلغ كبير بلاشك ولكنه لايمثل الا اقل من 5% فقط من مجمل الصفقة، ولولا هذا الهامش الصغير لكان بالإمكان أن تبقي حياتي على نمطها السابق بكل تفاصيلها . كان من الممكن وفي أي لحظة أن تتغير هذه الخطط وان يتم إنقاص المبلغ المزمع دفعه في المزايدة بنسبة خمسة أو عشرة في المائة وهي نسب بسيطة ولكنها كانت كفيلة بخسارة اتصالات لهذه الصفقة، لا أعلم مالذي كان سيحدث وقتها ولكنني اعلم يقينا الأن بان حياتي قد تغيرت تماما بسبب 500 مليون درهم .

كان احتمالا بعيدا أن اقضي سبعة أعوام من حياتي خارج دولة الإمارات , كان من المستحيل أن استطيع التعرف على هذا العدد الكبير من الأصدقاء الجدد , كان احتمالا ضئيلا جدا أن أقوم بزيارات إلى دول كثيرة لم أكن سأزورها لولا هذه الفرصة , الكثير من التجارب التي مررت بها خلال هذه الأعوام السبعة كان من المستبعد جدا أن أمر بها لولا هذه الفرصة التى أتاحها غيري عبر هذا المبلغ . إنها قصة بسيطة ولكنني اعتقد بأنني لم أكن سأشارك بها لو انني كنت مطلعا علي كافة فصولها منذ البداية , فأي قصة تفقد تشويقها وجاذبيتها بمجرد أن تطلع على نهايتها قبل أن تمر على كافة فصولها تدريجيا وبطريقة تجعلك أكثر التصاقا بأحداثها .

هناك في مكان ما تجرى الآن العديد من القصص التي لا نساهم في وضع تفاصيلها ولا نعرف أبطالها ولكنها ستؤثر مستقبلا علينا، في النهاية من الغريب أن نعرف بأن حياتنا عبارة عن قصة كتبت أجزاء كبيرة من فصولها بيد الآخرين، أنا متأكد عزيزي القارئ بأن هناك شخصا غريبا عنك يساهم حاليا في كتابة جزء من مستقبلك من دون أن تدرك ذلك ومن دون أن يدرك هو ذلك .

Share Button