الراقل دا مش في الطابور !

عندما يدخل الفقر من الباب، سيتبعه الفساد عبر النافذة، إن أردتم إغلاق هذا الباب في يوما ما، فبادروا إلى إغلاق نوافذكم من الأن. هذه قصة حدثت مؤخرا ولكن بدايتها كانت قبل عشرات السنين.

في نهاية رحلتي الأخيرة إلى القاهرة وأثناء انتظاري في نقطة التفتيش الأولى بمبنى المطار تلقفني ” المسلكاتي” عندما شك في ملامحي الخليجية واقترب متسائلا ” البيه على السعودية؟”، أجبته ” لا، الاتحاد على أبوظبي”.

قبل أن استرسل في الحديث دعوني اتوقف قليلا لأشرح لكم عن معنى المسلكاتي (وهي لفظة من اختراعي ) وما هي وظيفته في مصر، فالمسلكاتي شخص يستطيع تسليكك لتمر فوق النظام عن طريق معرفته للطرق الملتوية الغير القانونية اما عن طريق عمله النظامي في المنطقة التي تود القفز فيها فوق القانون او معرفته الوثيقة بأحد العاملين هناك، والمسلكاتي قد تصادفه في كل انحاء مصر العظيمة، اذا اردت الدخول الى مطعم راقي ولكنك لا تملك حجز مسبق فهناك مسلكاتي سيوفر لك طاولة في مكان مميز، اذا اردت الدخول الى ملهى مزدحم ولكنك بمفردك ونظام الملهى يستدعي وجود رفيقة لك فهناك المسلكاتي الذي سيضمن لك الدخول والجلوس في طاولة الفي أي بي. اذا اردت استخراج وثيقة رسمية ولكنك لا تملك الأوراق المطلوبة او لا تعرف النظام فالمسلكاتي سينتظرك على أبواب المصلحة الرسمية ليأخذك من يدك وليلف بك السبع لفات في كل دهاليز المكان وستسلمه قدرك مستسلما وانت تراه يقفز هنا وهناك يخترق الصفوف ويدخل الى المكاتب من الأبواب الخلفية وهو يحاول بجهد وإخلاص ان ينجز مهمتك.

هناك مسلكاتي في كل زاوية من زوايا مصر مستعد لان يشعرك بأنه يمتلك هذا المكان وانه البوصلة السحرية للمتاهة التي انت على وشك الدخول اليها، وبما ان مطار القاهرة احد هذه الدهاليز فإن هناك مسلكاتي او لأكون اكثر دقة عدة مسلكاتيه منتشرين في مداخل المطار ينتظرون الوجوه الحائرة لينتشلوها من حيرتها وليضمنوا لها دخول آمن وسريع. الان وبعد ان بت تعرف من هو المسلكاتي وما هي وظيفته فلزم علي ان اخبرك بأن هذا المسلكاتي لا يقوم بوظيفته لوجه الله، حاشا لله، فهو يعرف ان ما يقوم به هو مخالفة شرعية ولهذا فهو يرفض ان يكون اجره نظير عمله دعوة بظهر الغيب أو ابتسامة شكر من مسلم لأخيه المسلم، فالمسلكاتي انسان له احتياجات معيشية مثل المئة مليون انسان في مصر ولهذا فإنه يأخذ اجرا نظير خدماته وهذا الاجر غير محدد او موثق كما انه قابل للمساومة حسب شطارتك وحسب تقديره.

نعود لقصتي مع اخر مسلكاتي قابلته في مطار القاهرة اثناء مغادرتي، فعندما اقترب مني هامسا متسائلا عن الطائرة التي سأقلع فيها مبتعدا عن ارض المسلكاتين فكل غرضه أن يتأكد من انني مواطن خليجي لأن ال.. قد يتشابه عليه فينتهي به الامر محدثا احد الاخوة الأسيويين الذين يشبهوننا في نظر الاخوة المصريين وقد يهز هذا الاسيوي رأسه كعادته مع ابتسامه خبيثة تعنى ” انني لا اعرف ماذا تريد، فلترحل عني اذن ايها اللعين” ولهذا ومنعا للإحراج فإنه يسألك لكي يتأكد من انك العميل المطلوب وفور ان تجيبه بالإيجاب فإنه ينظر اليك بأسى ليوحي لك بأنك قد صعبت عليه وهو يرى ابن العز وقد انقلب حال الدنيا وبات يقف في صف طويل منتظرا دوره، نظراته تخبرك ” مكانك مش هنا يا باشا، مكانك فوق فوق ” وفي هذه الحالة فإنك ابن العز من المفترض بك أن تعيش الدور وأن تقنع نفسك بأنه من المعيب في حقك أن تقف في طابور يقف فيه العامة والرعاع وان هذا الشيء مسيء للسمعة في مصر ولهذا وعندما تراه يمد يدك ليسحب شنطتك الثمينة فمن المفترض بك ان لا تجزع وانت ترى هذا الغريب يسحب متاعك ويركض مبتعدا، فهذا هو المسلكاتي الأمين والذي تستطيع ان تسلمه ابنك لو اضطررت ان تعبر معه خط بارليف وانت متأكد من انه سيحقق مهمته وسيظفر بالنصر الأكيد. كل ما عليك ان تسرع الخطى محاولا اللحاق بالمسلكاتي وان تفهم كل نظراته وتنفذ ما تقوله لك، ستجده وقد اخترق الصفوف كما اخترق الجيش المصري العظيم صفوف العدو في 6 أكتوبر، لا تخف شيئا فأنت في حماية المسلكاتي وعبورك فوق خطوط الأعداء أمن تماما، وعندما تجد نفسك فجأة وقد وصلت الى نقطة التفتيش في ثوان معدودة وتراه قد مد يده قريبا منك فلا تخطى وتظن انه يمد يده مودعا، بل عليك ان تمد يدك مسرعا بالأجر المتوقع ويستحسن ان تكون كريما معطاءا لأنه قد سمح لك أن تعيش دور المهم الذي يستطيع القفز فوق طوابير الانتظار، وعندما يهمس لك “ما تنساش الراقل” ، فمعناها بأنه ولكي يسهل المرور فإنه مضطر كذلك أن يعطي احد الأشخاص المسؤولين نصيبه من العملية ليسهل مرورك، وانت لا تعرف هذا “الراقل” ولكن لابد من انه شخص حقيقي وموجود والا فلما سيخدعك صديقك المسلكاتي ويوهمك بأنه سيأخذ نقودا لا تخصه ليعطيها لشخص غير موجود!
الموضوع غير منطقي ولهذا من المستحسن ان تمد يدك ثانية وأن تعطيه اجر هذا الشخص المفترض وجوده وبهذا تضمن بأن العمليةقد تم تأمينها من جميع الزوايا.

لا اعلم ما الذي جرى لحظتها ولكن في اللحظة التي قمت بدفع اجرة الشخص الافتراضي وفي اللحظة التي كنت على وشك دخول التاريخ وعبوري لنقطة التفتيش الأولى في المطار متخطيا جموع المنتظرين حتى تفاجئت بصراخ احدهم ” الراقل دا مش في الطابور، الراقل دا مش في الطابور ” وعندما تكرر الصراخ التفت لأرى من سبب هذه الضجة فرأيت شخص مسن ابيض شعر رأسه ناظرا الى بغضب السنين المتراكم ضد المسلكاتي وكل من يسلك له، وبدأت الجماهير التي تخطيتها في الهمهمة وهي تأيد كلام هذا الانسان المشكلة، وفجأة اقترب مني الضابط المسؤول وهو يخبرني ” ارجع مكانك يا محترم”، طبعا كلمة محترم في هذا الموقف تعني العكس تماما، ولكنني شعرت بقوة خفية لأنني اعلم بأن هذه مجرد تمثيلية متفق عليها وان المسلكاتي يمسك بزمام الأمور وسيتدخل في اية لحظة ليخلصني من انياب النظام. تلفت يمنة ويسرة لأبحث عن البطل المغوار ولكنه غاب كإبرة في وسط كومة قش، تركني وحيدا مجابها النظام ومحاربا عقودا طويلة من الزمن احتاجته البشرية حتى اخترعت نظام الطابور لخدمة الحشود بشكل متساوي، وانا مجرد شخص لا امتلك أي نفوذ في الواقع انا مجرد انسان ظن بمساعدة المسلكاتي ان القانون والنظام والتطور الحضاري البشري وكل التعابير الخاصة بالعدل والمساوة مجرد تفاهات تطبق على غيري فقط.

تركني ابن الملعونة لأواجه كل هذا لوحدي مشلولا عاجزا عن التصرف ولكنني مرتعب من فكرة أخرى طرأت فجأة على بالي، لقد اختفى ابن الذين مع امتعتي، كل ما املكه بحوزة هذا الغريب عني تماما والذي اقتنعت بأنه مخلص مجد امين في عمله، مع انني في قرارة نفسي متأكد انه مجرد لص متسلق . هربت هروب الشجعان من امام الحشود الغاضبة وانا أحاول تفادي نهاية المتنبي عندما ذكره غلامه بأنه القائل ” الخيل والليل والبيداء تعرفني” لحظة فراره من جنود فاتك الأسدي. هربت بهدوء حتى لا اكسر هيبتي امام الجماهير، فمن المعيب ان يهرب الملك مثل العامة، هناك طريقة فريدة في الهروب لا بد وان يتقنها أبناء الاكابر لتفرقهم عن العامة حتى في لحظات الهروب.

في اثناء هروبي او فلنقل ابتعادي عن مسرح الجريمة امسكتني يد حانية وعندما التفت وجدت صديقي المسلكاتي وهو ينظر الي مبتسما، عاد كالعنقاء من وسط رماده لينقذني من جديد ولفرط سعادتي لم اغضب لأنه هرب وتركني وحيدا في المعركة او لأنه فر مع امتعتي، لقد سامحته فورا لان خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب وهكذا سرت من جديد خلف الجنرال مسلكاتي لنبحث عن بوابة جديدة في الدخول بعيدا عن ذلك المسن النكدي والذي كلفنا الكثير من الوقت والمال وجاء الى المطار وهو في حالة نفسية سيئة وتظاهر بأن الحياة في الخارج تسير على نمط ادق من الساعة السويسرية ولهذا غضب من فعلتنا المخزية عندما عطلنا هذا النظام، كلانا يعرف بأن الساعة تسير بالمقلوب بل بالمشقلب في الخارج وبأن ما فعلته لا يعد عيبا او منكرا لأنه سنة الحياة ولهذا لن اغفر له ابدا تصرفه الغريب والغير معقول ابدا. لم يخب ظني في المسلكاتي، فأنا اتعامل مع خدماته منذ سنوات طويلة واعرف مقدار تغلغله في كل مفاصل الحياة، بدرهمك المنقوش ستصل الى مبتغاك قبل غيرك ولقد وصلنا وعبر بوابة أخرى لا يوجد فيها عجوز نكدي منتظرا دوره، كان جمهور الانتظار هنا مطيعا لينا وهو يراني اقفز امامهم واسرق دورهم وادخل الى جهاز التفتيش قبلهم وهم ينظرون الي بصمت مطبق وكأنني غير موجود، نجح المسلكاتي وليمت ذلك العجوز النكدي في غيظه.

عبرت جهاز الفحص واستلمت امتعتي واختفى المسلكاتي فجأة وكما ظهر فجأة باحثا عن فريسة جديدة مستعدة ان تخترق النظام بمعيته نظير مبلغ مالي، لتدق مسمار جديد في نعش الحضارة والرقي. ولكن عبوري هذه المرة كان مختلفا عن المرات السابقة، لم احس بطعم الفوز ولم احس بأنني شخص مميز جدا وبأنني استطيع ان اشترى النظام بأموالي، لقد علقت صرخات ذلك العجوز في اذني ” الراقل دا مش في الطابور” ، تمزقني من الداخل وتسيل دماء خجلي وانا اعرف بأنني قد ارتكبت جريمة قبل قليل او جنحة او فلنسمها بما نشاء، ولكن فلنتفق على انه اختراق سافر للنظام والقانون وانني قد فعلت ذلك متعمدا ومن دون حاجة ضرورية غير انني لا اريد ان اقف لمدة دقائق معدودة في طابور انتظار. ” الراقل دا مش في الطابور” صرخة عظيمة من رجل عظيم مل من امثالي ومن أمثال المسلكاتي وهو يرانا يوميا نحاول القفز فوق الجميع ونسرق الفرص من موائد المستحقين. ” الراقل دا مش في الطابور ” صرخة رجل شريف يحاول فيها ان يوقظ مصر من سباتها ليعود فيها النظام الذي اختفى من شوارعها منذ فترة طويلة، صرخة ضد كل فوضى في انحائها، ضد المناوشات في الشوارع، ضد الغش المستشري، ضد استغلال الغني لأمواله ليضمن معاملة مميزة، ضد الكذب في كل شيء ومن اجل كل شيء، ضد أعداء مصر في الداخل، أريد ان يتوقف طنين جملتك في اذني ” الراقل دا مش في الطابور ” فسامحني يا سيدي.

Share Button

غربة أشجار النخيل

ماهي الغاية من زراعة الأشجار في مدننا الصحراوية؟ لماذا تتكبد خزانة الدولة مبالغ ضخمة من أجل توفير مياه الري لهذه الأشجار في بيئة شحيحة فيها الموارد المائية؟ اعتقد بأننا نتفق بأن اهم هذه الغايات هو توفير الظل من اشعة الشمس الحارقة للمشاة والسيارات وصد الرياح المحملة بالاتربة وتوفير ملجأ للطيور المحلية والمهاجرة بالإضافة الى توفير مصدر جديد للاكسجين في رئة مدننا المعطوبة بسبب الغازات المنبعثة ليل نهار من عوادم السيارات.
هل تستطيع النخلة مقارنة بباقي الأشجار توفير هذه المتطلبات؟ لا اعتقد ذلك، فتشكيل جذع النخلة وتاجها الأخضر لا يسمح لها بحجب الرياح أو توفير مساحة كبيرة من الظل كما ان الطيور لا تقطن سعفها ولن يبقى الا موضوع تنقية الهواء وهي الخاصية المشتركة التي وهبها الله لفصيلة النبات بشكل عام ولا اعلم ان كانت هناك دراسة علمية توضح حجم امتصاص كل شجرة لغاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله الى الاكسجين ولكنني اعتقد بأن المقارنة لن تكون لمصلحة النخلة مقارنة بباقي الأشجار المحلية المعمرة الأخرى.

تبقة نقطة مهمة خطيرة أخرى يحسبها البعض لمصلحة النخلة بينما هي في حقيقة الأمر تشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة وهو انتاج أشجار النخيل المزروعة على جنبات الشوارع من التمور حيث ان محبي أشجار النخيل يرون ان انتاج النخلة من التمور هو دافع مهم للاستمرار في زراعتها في المدن ولكنهم يتناسون ان هذه التمور تكون متشربة بالغازات المميتة المنبعثة من الوف السيارات التي تمر يوميا امام هذه الأشجار فهذه التمور لا تعد صالحة للاستهلاك الادمي او الحيواني، بالإضافة الى وجود خطة لري الأشجار بالمياه المعالجة مما يفاقهم كمية المخاطر المرتبطة بتناول ثمار الأشجار المرزوعة في الأماكن العامة.

بالإضافة لكل هذا فإن تكلفة الراعية لشجرة النخلة تعد اضعاف تكلفة العناية بالاشجار الاخرى فالنخلة تحتاج الى كمية مياه وتسميد مضاعف مقارنة بباقي الأشجار كما انه لابد من تقليم سعفها كل سنة والقيام بعملية التلقيح يدويا وتنظيف الساحات والشوارع من مخلفات التمور المتساقطة ومن ثم قص العراجين بعد انتهاء موسم التمر وهذه كلها عمليات مكلفة وتتطلب توفير عدد مكثف من العناصر البشرية المؤهلة لتسلق أشجار النخيل بينما باقي الأشجار لا تحتاج الا الى القليل من هذه الخدمات فشجرة الغاف مثلا تستطيع بعد سنوات قليلة من زرعها الاعتماد على نفسها ومد جذورها للبحث عن المياه الجوفية كما ان تقليمها يكون للأغصان السفلى فقط وباستطاعة عامل واحد ان يقلم المئات من هذه الأشجار في يوم واحد.

هنالك قرابة الأربعين الف نخلة في جزيرة ابوظبي وحدها وهذه الأشجار تعد حاليا ثروة مهملة وتشكل ضغط شديدا على موازنة البلدية ولهذا فانني اقترح ان يتم الشروع في خطة لإزالة هذه الأشجار وتوزيعها على المواطنين ليزرعوها في منازلهم ومزارعهم وأن توفر البلدية جزءا من ميزانيتها الحالية للعناية بالنخيل لدعم هذه المزارع وان يتم زراعة الأشجار المحلية الأخرى مثل الغاف والسدر محلها مع الإبقاء على عدد محدد من أشجار النخيل امام الوزرات والهيئات الحكومية كشكل جمالي يرمز الى ارتباط ابن الامارات بماضيه وتاريخه .

أشجار النخيل في مدننا تشعر بالغربة والضيق من التلوث والازدحام وقلة الاهتمام بها وبدأت تنتشر حالات الانتحار بين اشجارها فجأة وكأنها تقول لنا بأنها لم تخلق لحياة المدن وبأنها لم تخلق لكي تكون مجرد شجرة زينة على جنبات شوارعنا، النخلة أم الصحراء يا سادة والام متعودة على العطاء ومتى ما سلبنا منها هذه الصفة بدافع حبنا الأناني لها فإننا نهينها من دون أن ندرك ذلك وندفعها إلى الموت البطيء أمام اعيننا فهل نعيد لها كرامتها؟

Share Button

من بلاط الشاه الى سجون الثورة

من بلاط الشاه الى سجون الثورة
25 سبب أدت الى سقوط عرش الطاووس

اثار سقوط نظام الشاه في ايران في العام 1979 ونهاية الحكم الملكي الامبراطوري هناك بعد أن دام قرابة ال500 عام من تاريخ ايران الحديث زوبعة عالمية، فالجميع كان يعلم بوجود قلاقل عميقة في ايران ومنذ سنوات ولكن العالم كان يرى الشاه محمد بهلوي كشخص قوي ممسك بزمام الأمور في امبراطوريته وان اجهزته الأمنية قد تغلغت في كافة مفاصل الدولة لتخلق دولة عميقة يصعب تفكيكها او اختراقها ولكن يبدوا ان ايران في عصر الشاه محمد بهلوي وخصوصا في العشر سنوات الأخيرة من فترة حكمه كانت مجرد بعبع كرتوني ينخره السوس من الداخل منذ فترة طويلة وتهاوي فجأة بعد ان ضعفت أساساته.
في كتاب المفكر الإيراني احسان نراغي ” من بلاط الشاه الى سجون الثورة” يعدد لنا الكاتب ومن خلال نقاشه مع الشاه والذي استدعاه لأخذ رأيه حول ما يجري في ايران من مظاهرات متتالية وكيفية معالجتها الأسباب التي يرى انها كانت سببا في اسقاط نظام الشاه. هناك قرابة خمسا وعشرون سببا جعلت عرش الطاووس وما يمثله من قوة وبطش يسقط امام عمامة الخميني وما تمثله من عدالة مجتمعية وعودة الى روح الإسلام، وحاولت تلخيص هذه الأسباب هنا:

1- عدم تقبل الشعب الإيراني لمحمد رضا بهلوي كملك تجري في عروقه الدماء الملكية ولهذا هم يرون انهم غير ملزمون بالطاعة له فوالد محمد بهلوي كان مجرد جنرال في جيش الشاه احمد ميرزا وانقلب على السلالة القاجارية والتي كانت تحكم ايران منذ العام 1779م والى ان اسقطها في العام 1925 واعلن نفسه شاها لإيران، ولهذا ان حكم سلالة عائلة بهلوي لإيران والتي لم تشمل الا الوالد والابن لم يمتد لأكثر من 50 عاما فقط وهي فترة قصيرة لترسيخ صورته كملك من نسل الملوك.
2- هذا النسب الهزيل لمحمد رضا بهلوي خلق عقدة نقص في نفسه وفي نفوس عائلته ولهذا استحلوا ايران وخيراتها وكأنهم يحاولون إطفاء نهمهم للمال والسلطة، فوالده كان يمتلك عند وفاته قرابة ال 7000 قرية واخوته واخواته كانوا يستغلون قربهم من الملك للاستيلاء على كل ما يعجبهم في ايران من ممتلكات وثروات وكانوا يدفعون أجهزة الدولة لمنحهم المزيد من الصلاحيات والمشاريع التي تدر عليهم أموالا طائلة هم وحاشيتهم من دون وجه حق ومن دون فتح المجال للمنافسة والتجارة الحرة
3- اسهم ذلك في خلق طبقة غنية جدا وهي المتصلة بالملك وعائلته وطبقة فقيرة جدا تعيش كالعبيد فوق أراضيها التي استولى عليها الشاه وحاشيته مع سحق الطبقة المتوسطة عن طريق عدم فتح مجالات التجارة والاستثمار امامهم .
4- الاستعراض المبالغ فيه للثروة من قبل العائلة الحاكمة وحاشيتها مما أوغر صدور الايرانين ضدهم بسبب معرفتهم بأن هذه الثروات تم نهبها منهم
5- الفشل الإداري في الحكومات المتتالية التي ادارت شؤون ايران طيلة حكم الشاه محمد بهلوي والتي استمرت ل38 عاما
6- السبب الأول لفشل حكومات ايران كان الطريقة التي ادار فيها الشاه هذه الحكومات وتدخله في كل التفاصيل الدقيقة لإدارة البلاد، كانت الحكومة في عصر الشاه مجرد دمية يحركها كيفما يشاء ويتخلص منها ويحملها المسؤولية عندما تفشل.
7- إقالة رئيس الوزراء محمد مصدق من قبل الشاه بمعاونة أمريكا وبريطانيا. فعندما برز نجم رئيس الوزراء محمد مصدق كشاب ناجح وعصامي تولى رئاسة الوزراء في العام 1952 وكانت خططه تقوم على إعادة سيطرة ايران على ثرواتها الطبيعية ونشر المساواة بين الإيرانيين ونجح في تأميم صناعة النفط وانهاء الاحتكار البريطاني لها ولكن الشاه تنبه إلى خطورة وجود رئيس وزراء محبوب على عرشه فسارع لى التآمر مع الأمريكيين والبريطانين في العملية السرية التي ادارتها وكالة المخابرات الامريكية والتي تعرف ب ” عملية اجاكس ” والتي أدت الى تحريك الغوغاء ضد مصدق في مظاهرات رتبتها أجهزة الشاه بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية لهز صورة مصدق امام الجمهور وتمكين الشاه من اصدار قرار عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية الى ان توفى.
8- ان الطريقة التي عزل فيها الشاة رئيس وزراءه محمد مصدق قد البت الجماهير ضده وباتت تعرف ان حل مشاكلها سيكون بالتخلص من الشاه نفسه لانه سبب المشكلة ولن يكون يوما طرفا في حلها مهما تظاهر بعكس ذلك وأن الشاه لن يتردد في الاستعانة بالقوى الخارجية ضد أبناء شعبه إذا اقتضت الحاجة.
9- كردة فعل على ازدياد كره الجماهير للشاه قرر في العام 1957 انشاء جهاز السافاك وهي منظمة المخابرات والامن القومي وهو الجهاز المكلف بالتجسس على كل شخص في ايران ومتابعة كل شاردة وواردة في ايران والقيام بكل ما هو مطلوب لقمع المعارضين في ايران وخارجها وقد انتشرت سمعة هذا الجهاز كواحد من اقسى أجهزة الامن في العالم واشدها تنكيلا بالمعارضين وهناك روايات تقول ان هناك قرابة ال 3000 إيراني قد قتلوا في سجون هذا الجهاز وحده.
10- تأقلم النظام والأجهزة الحكومية مع رغبات الشاه وبات لا ينقل له الا ما يريد الشاه ان يسمعه ويراه وامتد هذا الخطأ في الإدارة ليشمل حتى الأجهزة الأمنية فلم يتم تنبيه الشاه الى التدني المتواصل في شعبيته والى ازدياد المشاكل اليومية التي يوجهها المواطن الإيراني والى تفاقم المعارضة وانتشارها
11- ازدياد شعبية رجال الدين مستغلين سوء السمعة التي بات الشاه يحظى بها للدخول الى المشهد السياسي وتجييش الشعب الإيراني والمتدين بطبعه الى صفوفهم.
12- الإهمال الواضح من قبل الأجهزة الأمنية لبيان خطر رجال الدين على النظام بل ان رئيس السافاك حسن بكروان لم يهتم بالخطر الذي بات يشكله رجل الدين الخميني على النظام وبدل ان يهمشه او يقضي عليه قام بنفيه خارج البلاد سنة 1964 ومنحه بهذا فرصة ذهبية لانشاء معارضة دينية قوية للشاه خارج ايران وقام ببث رسائله التحريضية للشعب الإيراني عبر وكالات الانباء الأجنبية بكل حرية مما ساهم في توسيع قاعدته الشعبية خلال فترة اقامته في فرنسا.
13- بادر الشاه الى ارسال الطلاب الى الخارج لينالوا التعليم الجامعي في جامعات أوروبا وامريكا وقد قدر عدد هؤلاء بحوالي 200 الف طالب كانت الحكومة هي من تدفع مصاريف دراستهم وابتعاثهم وعاد هؤلاء الطلاب بالقيم الغربية التي تدعو الى الحرية ووالمساواة والديمقراطية فكانوا نواة المعارضة الشابة المثقفة فور عودتهم الى ايران.
14- كان للشاه خطط ضخمة لإيران لجعلها القوة الاقتصادية الخامسة في العالم ولهذا اعتمد في ذلك على تدفقات النفط الهائلة واحتكاره للاموال الناتجة واحتجازها لتنفيذ خططه التي وضعها له الخبراء الأجانب والذين كانوا يركزون على المشاريع الضخمة والمكلفة بدل الالتفات الى المشاريع الواقعية والتي يحتاجها المواطن البسيط. في سبيل ذلك جلب الشاه عددا ضخما من الخبراء الأجانب ليديروا هذه المشاريع ووفق بعض الاحصائيات فإن عدد هؤلاء كان يقارب ال 300 الف خبير مع عوائلهم وكان يدفع لهم رواتب شهرية ضخمة من خزينة الدولة للاستقرار والعمل في ايران وكانوا مثار حسد وسخط الإيرانيين نظير الامتيازات الضخمة التي يحظون بها.
15- أدت هذه الخطط الضخمة الى تضخم تكاليف المعيشة على المواطن البسيط من دون ان تحقق هذه المشاريع المرجو منها كما انه فقد محبة واحترام جيل الشباب لان حلمهم بتكوين دولة عصرية توفر المساواة والرخاء للجميع لم يتحقق على ارض الواقع.
16- كانت المشاريع تقر وتخصص لها الأموال الطائلة من دون تخطيط سليم كقضية صفقة الجرارات الزراعية من كوريا الجنوبية والتي كان يطمح من خلالها الى التطوير الزراعي في ايران فقام باستيراد 300 جرار زراعي ولكنه اكتشف لدى وصولها الى ان الايرانيين لا يمتلكون الخبرة في قيادة هذه الآليات فقام بجلب السائقين من كوريا والذين اضربوا عن العمل بعد عدة اشهر بسبب ظروف المعيشة في ايران وعادوا الى بلدهم وبقيت هذه الآلات الزراعية الباهظة الثمن في المخازن من دون فائدة.
17- كان الشاه يسعى الى ان يكون القوة العسكرية الثالثة في العالم وبدأ ينفق عشرات المليارات على استيراد الأسلحة وتدريب الجيش ولسبب غير معروف، وكانت ميزانية الجيش خارج رقابة الحكومة ولهذا شاب هذه الصفقات الكثير من الفساد وارهق الدولة في التزامات مكلفة وطويلة الأمد من اجل التدريب والصيانة .
18- في السنوات الأخيرة من حكم الشاه بدأت الحاشية بالشعور بقرب انتهاء حكم الشاه ولهذا فإن العديد منهم قد قام بتهريب ثروته الى خارج ايران والفرار لاحقا للإقامة في أوروبا وامريكا ويقدر عدد من فر من ايران في تلك الفترة والى سقوط الشاه قرابة ال 200 الف شخص هربوا عشرات المليارات من الدولارات والتي كسبوها من غير وجه حق الى خارج ايران وافقروا خزانتها من المال.
19- بروز مثقفين أقوياء على الساحة لهم قبول جماهيري وخصوصا بين فئة الشباب ومعارضتهم لنظام الشاه مثل على شريعتي.
20- نشوء ازمة هوية بسبب خطط الشاه السريعة لنشر الليبرالية الأخلاقية في أوساط شعبه المتدين بطبعه .
21- انتشار الماركسية والشيوعية والأفكار الثورية التي تدعو الى حماية حقوق العمال والثورة على النظام الملكي والاقطاعي، كان سبب انتشار الماركسية هو الدعم السوفيتي للحركات والمنظمات المناهضة مثل حركة فداء وحركة بيكار أو المجاهدون الماركسية وحزب توده بسبب أطماع الاتحاد السوفيتي في الأراضي الإيرانية للوصول الى المياه الدافئة وخصوصا وان ايران قد وقعت تحت الاحتلال السوفيتي اثناء الحرب العالمية الثانية وكانت خطوط السكك الحديدية فيها تقوم بنقل المعدات من شواطيء ايران الجنوبية الى الاتحاد السوفيتي بعيدا عن الحصار الألماني ومن ثم محاولة الاتحاد السوفيتي قلقلة النظام في ايران اثناء الحرب الباردة ضد أمريكا بسبب تحالف الشاه مع أمريكا ضد المعكسر الشرقي. بدأت هذه الأحزاب في شن حرب عصابات ضد نظام الشاه ابتداءا من العام 1971 وساعدت الثورة الخمينية في محاربة رجال الجيش والشرطة اثناء قمع المظاهرات المعارضة.
22- قرار الشاه الغريب في العام 1975 بدمج كافة الأحزاب السياسية في حزب واحد أسماه ” راستا خير النهضة ” ففقد دعم هذه الأحزاب لنظامه.
23- بسبب قلة الاهتمام بالارياف وتركيز المشاريع الضخمة في المدن، شهدت المدن الإيرانية وخصوصا طهران هجرة شاسعة من المزارعين اليها مما تسبب في انهيار الصناعة الغذائية في ايران ونشوء الاحياء الفقيرة في طهران والتي بدأت منها الثورة.
24- مرض الشاه بالسرطان في نهاية حياته وضعف ارادته للكفاح ومقاومة المعارضة وتبدى هذا الضعف اثناء حديثه مع الكاتب احسان نراغي وعرضه الاستغناء تماما عن ثروته ومنحها للشعب مقابل وقف الثورة ضده
25- قد يكون انتشار المذهب الشيعي في أوساط الإيرانيين هو مهد الثورات المتتالية في ايران ومنذ ناريخ دخولها في الإسلام والمفتاح الذي استطاع الكثير من رجال السياسة استغلاله للقيام بثورات على الأنظمة القائمة. المذهب الشيعي قائم على التشيع لسيدنا علي ابن ابي طالب وما يمثله من زهد في الدنيا وعدل في الحكم ويعتمد كذلك على إحساس عميق بأن الفساد سيملأ الأرض ولابد من ظهور المهدي المنتظر لينشر العدل، ولهذا فإن أي حاكم لإيران سيجد نفسه محاصرا بين هاتين الشخصيتين .

Share Button

مآتم الكتاب العربي

المنظر العام لمشاهدة ألوف البشر وهي تتزاحم لدخول معرض الكتاب الأخير المقام في العاصمة السعودية الرياض كان مشجعا وباعثا على الفرحة ولكن وفور دخولك للمعرض ستحزن وأنت تشاهد بعينيك القصة الحقيقة والسبب الغريب لتدافع الأغلبية من هؤلاء، ماجرى في معرض الرياض للكتاب لم يختلف كثيرا عن ماجرى سابقا في معرضي الشارقة وقطر وما سيحصل لاحقا في معرض أبوظبي.

فإن كنت ترغب في كتابة كتاب يحمل عصارة أفكارك ونظرتك للأمور الحياتيه المعقدة فأنت لم تعد مطالبا الأن بأن تشرب الحبر وتمضغ أوراق الكتب، كما إنه بإمكانك ان تسقط حتمية قراءة مئات الكتب لتوسيع مداركك وبإمكانك أن تشطب من لائحة أصدقائك كل الأخوة المثقفين ومحبي القراءة، فكل ماعليك فعله هو ان تنشأ حسابا في احد وسائل التواصل الاجتماعي ثم تحاول أن تملئه بكل غث وسمين ويستحسن أن تميل الكفة للغث فمتابعين السمين هذه الأيام أصبحوا قلة بعد انتشار ثقافة المحافظة على الرشاقة في كل شيء . بمجرد أن تحقق رقما مقبولا من أعداد المتابعين ويستحسن ان يكون اغلبهم من المراهقين السذج فأنت مؤهل الان لوضع كل غثك في كتاب رشيق يحمل اسمك وصورتك على صدره وأن تكون صورتك معبرة وكأنها تخبر متابعيك بأنك من سيحملهم بواسطة هذا الكتاب لتضعهم بجانب أفلاطون في فلسفته وفيثاغورس في نظرياته ونيوتن في عبقريته وبأنهم يستطيعون الان ان يضيفوا شرف قراءة كتابك في سيرتهم المهنية عند التقديم للوظائف في كبرى الشركات.

بعد زياراتي لمعارض الكتاب هذه السنة اتضح لي بأن من سيقود معارضنا العربية للكتاب خلال المرحلة القادمة سيكون مهرجي وسائل التواصل الاجتماعي وليس الكاتب المتفرغ لكتابته كعابد نازك لا يبتغي الاجر ولا الشهرة بل السعادة فيما يفعله، انها موجة كاسحة قادمة وبقوة ولن تكتفي بتخريب معنى معرض الكتاب وما يمثله من مكانة راقية ومميزة بل انها كذلك ستهدم الصومعة فوق باقي الكتاب المحترمين لتخلي الساحة تماما للأخوة المهرجين. منظر الكاتب السوداني الشهير والذي كان يجلس وحيدا مهملا في دار النشر التى طرحت أعماله وهو ينظر بحسرة الى الازدحام الخانق من جمهور متعطش للحصول على توقيع وصورة مع احد الشباب من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي والذي بلغت به الجرأة ان يجمع مجموعة من التفاهات التى اطلق عليها “اسرار الحب” والتى نجح في ان يدغدغ سابقا بها مشاعر متابعيه المراهقين وان يجمعهم حوله وان يضعها في كتاب يحمل اسمه. كان المنظر محزنا وكانت كلمات الكاتب السوداني تطعن في قلب كل من يعشق الكتاب وهو يردد بحسرة مشيرا إلى كتبه” ليتني لم أضيع وقتا ثمينا في كتابة هذه الكتب المهملة لو انني كنت اعرف بأنني سأنافس هذا الديك … في النهاية ، عائلتي ونفسي كانت احق بهذا الوقت من موجة القراء الجهلة الذين ابتليت بهم معارض الكتاب ”

عند محاورتي لأحد هؤلاء من الكتاب الشباب ممن وجد نفسه مشهورا فجأة بسبب برنامج تويتر فاجئني بقوله انه ليس من هواة القراءة ولا يرى ضرورة ذلك ولكنه يعتقد بأن إصدار كتاب يحمل اسمه سيرفع من مقامه في المجتمع بين متابعيه! اصبح الكتاب وسيلة لرفع صاحبه بعد ان كان وسيلة لرفعة المجتمع !

من المحزن ان يتسيد هؤلاء مشهد الثقافة، ان مجرد السماح لهم بذلك يجعلنا جميعا شركاء في الجريمة التى ستخلق جيلا مسطحا تافها يسعى لإقتناء كتاب مجهول ولكنه لا يمتلك ثقافة التمييز بين المفيد من السيء، جيلا يمتلك الوقت لزيارة معرض الكتاب ليس من أجل السعي في رحلة المغامرة والبحث عن كتاب شيق وفريد بل من أجل نيل شرف الحصول على توقيع أحد مشاهير التواصل الاجتماعي، فلتنح النائحات لهذا المصاب، ولتبك الباكيات لهذا الجلل في ما صار يطلق عليه بمآتم الكتاب العربي.

Share Button

هوزيه، سائق سيارة الأجرة

لم يبدأ تعارفنا بشكل جيد، كنت أنتظر وصوله عند ناصية الشارع و كان يقف في المكان الخطأ، ارتفعت نبرة صوتي وأنا احدثه هاتفيا محاولا شرح مكاني بطريقة فجة بعد أن بدأ الشك يتسلل الى قلبي من أن هناك حاجز لغوي كبير يفصل بيننا.

برغم هذا نجح في الوصول الي بعد دقائق اخرى من الانتظار….

حياني قائلا ” أهلا سيدي، إسمي هوزيه وسأكون بخدمتك خلال رحلتك، عذرا على تأخري في الوصول إليك فأنا مازلت احاول معرفة طريقي في هذه المدينة الجميلة”

استطاع بكلماته المنمقة هذه من أن يمتص غضبي وإثارة فضولي حوله، دفعني دفعا وفور دخولي لسيارة الأجرة التى يقودها لأسئله عن الدولة التى أتى منها بعد أن نجح في نصب مصيدته حولي ليدفعني بهذا الاتجاه.

اجاب فضولي بقوله إنه قد جاء من جوهرة أفريقيا، احدى مستعمرات بريطانيا السابقة، أوغندا.

” مالذي أتى بك للعمل في هذه البلد ياهوزيه ؟”

أجابني ” لقد كنت أعمل سائقا لشاحنة نقل في كمبالا ”

نظر الى عيني من خلال المرآة الأمامية ليتأكد من انني اتابع حديثه، ثم باغتني بسؤاله ” هل سمعت عن اتفاقية النيل بالمناسبة؟ ”

تلعثمت وانا احاول نبش ذاكرتي حول هذه الاتفاقيه، ثم ارتجلت إجابتي المفضلة في مثل هذه المواقف ” نعم اعرف القليل عنها، ولكن هذا لا يمنع أن تخبرني انت كل ما تعرف عنها ”

ارتسمت على وجهه ابتسامه كشفت عن صفان من اللؤلؤ

اخبرني عن قريته الصغيرة

عن اتفاقيه النيل الموقعة بين الدول التى يمر بها شريان أفريقيا والمجحفة بحق دول المنبع ولمصلحة دولة المصب

عن عجز أوغندا عن امتصاص غضب هذا النهر عندما يكون في مزاج متعكر بسبب منعها من إقامة السدود عليه

وعن اثار ذلك على الأوغنديين

عن غرق مزرعة والده بسبب الفيضان

عن سفره الى جوهرة افريقيا كمبالا وعمله كسائق شاحنه ليساعد والده بعد فقدانهم للمزرعة

عن خبر في صحيفة محليه عن وظيفة في بلد نفطي خليجي

عن مقابلة مع أشخاص من الجنسية الهنديه حول هذه الوظيفة

عن وعود كثيرة واموال لا حصر لها ستهطل بغزارة وبدون توقف كأمطار أوغندا في اغسطس

ثم عن سفره

وتلاشي احلامه على يد سارقي الأحلام

عن اختطاف نصف راتبه بزعم توفير المسكن

وعن العلاوات المقتطعة والغرامات التي لا يمكن تلافيها وأنت تقود سيارتك في وسط بحر من الناس المستعجلين دائما للوصول الى وجهات لاتنتظرهم بشغف!

أخبرني عن العمل لمدة ١٨ ساعة من اجل ان يسدد فواتير معيشته وتوفير شيء بسيط ليدعم والده

عن الغربة

عن ملايين البشر الذين يعيشون في نفس الخدعة

عن شبكة مافيا العمل التى يديرها الغرباء ليصيدوا بها الغرباء

عن الأمهات اللاتي يودعن أبنائهن بدموع الأمل

والزوجات اللاتي يودعن أزواجهن بحزن الاشتياق

والأطفال الذين يكبرون ولا يعرفون عن الغريب الذي يزورهم كل سنتين وهو يحمل بعض الهدايا وابتسامة اللوعة الا لفظ الوالد المغترب

عن الصداقات التى أنشئها مع جنسيات مختلفة من الطبقة الكادحة ممن يعملون بصمت ويرحلون في صمت

عن فرحه الشديد عندما يجد فرصة مثل هذه ليشارك الجميع قصصه وكعادة سكان قريته الصغيرة

عند وصولنا الى وجهتي، حياني بإبتسامة كبيرة وهو يقول ” لا تنسى، انا اسمي هوزيه وانا احكي قصة ملايين البشر في بلدك ”

Share Button

” وكل شيء أحصيناه كتابا ”

انقضى عام القراءة وبدأ عام الخير وما بين عام وعام مضت الأيام بسرعة مذهلة حتى إن البعض لم يزل يعيش في العام المنصرم وكأنه حلم جميل لا يريد الإستيقاظ منه وخصوصا محبي القراءة والذين لم يكن اكثرهم تفاؤلا يتوقع بأن تخصص دولة في العالم عام كامل لدعم مشروع القراءة بين القاطنين على أرضها وإصدار القوانين المحفزة على ذلك وسن العديد من التشريعات التي دعمت نشر المكتبات العامة والمعرفة في كل مكان. انقضى العام سريعا كسرعة حركة حكومة الامارات الشابه وبما إنها حكومة تحمل أطنانا عديدة من الأفكار السابقة لعصرها والتي تسعى لتنفيذها على ارض الواقع لتصبح الامارات دولة من المستقبل فإنها قد مضت قدما في التفكير وأطلقت فكرة جديدة مع العام الجديد، ولينهض فجأة من كان يعيش في أحلام عام القراءة متسائلا عن مصير عام القراءة ما تم تحقيقه فيه وكيفيه الحصول على ضمان أن مبادراته لن تموت بإنتهاء عام القراءة وهي أسئلة مهمة ومن الضروري التوقف عندها والبحث عن إجابات مقنعة بعيدا عن العاطفة لان نفس هذه الأسئلة ستتكرر مستقبلا حول عام الخير وحول باقي الأعوام الخيرة التي تتنظرنا.

الملاحظ هو غياب الإحصاءات الرسمية عن هذه المبادرة، فلم أرى أي رقم يدل على مدى انتشار شعبية القراءة بين سكان الامارات قبل عام القراءة، ولا توجد إحصائية توضح كم من الوقت يقضيه السكان في القراءة بإختلاف جنسياتهم، ولم الحظ وجود رقم وطني حول الوقت المستهدف للقراءة الذي وضعته الحكومة للقاطنين فيها بحيث يتم الوصول اليه تدريجيا خلال الأعوام القادمة!
الرقم الوحيد الذي سمعه أغلبنا هو أن الفرد العربي يقرأ في العادة لمدة ستة دقائق في العام فقط وهي معلومة محبطة كنت أتمنى لو كنا نمتلك أداة إحصائية دقيقة توضح الحقيقة والإنجاز المتوقع خلال الأعوام القادمة.

الاحصائيات قبل الشروع في طرح أي فكرة مهمة جدا وهي أداة فعالة في الحكم على النجاح او الحاجة الى المراجعة والتعديل، لانريد ان تصبح مبادرات العام التخصصي مجرد فرقعات إعلامية، بل نريد ان نعرف نقطة البداية ونقاط الصعود المرتقبة للانجاز ومدى تنفيذها فبهذه الطريقة سنضمن ان يبقى الشغف والاهتمام بها وبهذا سنتمكن من ان نثبت للعالم ان نجاحنا واقع نعيشه ونستطيع ان نشارك العالم تجاربنا فيه، نريد ان نكون قدوة في كل شيء وان نمتلك المعلومات الكافية التي تدعم هذا التوجه، العالم تقوده الأرقام والاحصائيات المثبتة ونحن جزء من هذا العالم، فهل ننتبه إلى خطورة غياب هذا الجزء من المبادرات الحكومية المشابهه؟ أتمنى ذلك واترك الإجابة للاخوة المسؤوليين .

Share Button

أحمد والقلادة

محمد حسن المرزوقي
العام 2025م
استيقظ احمد صباحا على صوت هاتفه النقال منذرا بقدوم اتصال، نظر احمد بتكاسل الى الساعة، إنها الثامنة صباحا وهو لم يتعود الاستيقاظ مبكرا في فترة اجازته الصيفية بعد تخرجه حديثا من المدرسة. احتار بين تجاهل المكالمة او الرد عليها ولكن فضوله غلبه في النهاية ليجيبها، على الطرف الاخر من المكالمة كان المتحدث يعرف عن نفسه وعن سبب اتصاله، اعتدل احمد في جلسته وحاول ان يطرد اثار النوم من صوته وهو يرد على الطرف الأخر: نعم بالتأكيد سيشرفني ذلك.
كانت والدته على معرفة بهذا الامر عندما اخبرها بالاتصال الوارد من مكتب ذوي الشهداء والذي طلب منه أن يتجهز للسفر العاجل غدا، قبلته على جبينه كعادتها كل صباح وقالت له: اذهب بحفظ الرحمن يا ولدي ولا تنسى من كان والدك.

والده الشهيد الذي توفي منذ عشرة أعوام يعود الأن فجأة الى حياته، خفتت ذكراه بمرور الزمن وانشغاله بالدراسة وتولي شؤون والدته بوصفه الابن الوحيد لها، لم يبقى من ذكراه المحسوسة سوى القلادة العسكرية التي كان والده يرتديها لحظة استشهاده والتي انتهى بها المطاف لاحقا لتطوق عنق احمد وتصبح صديقته الدائمة والتي يقسم انها تهمس في اذنه ليلا وهي تتمنى له احلاما سعيدة.

في الموعد المحدد وصلت السيارة التي ستقله الى المطار، استقلها بعد ان ودع امه وفي خلال وقت قصير كان امام باب المغادرين في مطار أبوظبي، استقبله بالترحاب الضابط المسؤول عن تنظيم الرحلة وأخذه ليلتحق بباقي زملائه، كان هناك قرابة العشرين شابا من مختلف الاعمار ولكنهم يتشابهون في الصفة الوحيدة المشتركة بينهم: ابن الشهيد. نظر إليهم الضابط بفخر ثم قال لهم: هيا بنا، عدن بانتظاركم.

عند نزولهم من الطائرة في مطار عدن الدولي الجديد والذي افتتح قبل عدة أعوام، لفت انتباهه ضخامة المبنى وحداثته، بدأت الاستثمارات الدولية بالانسياب على اليمن بعد انتهاء حرب التحرير وقامت مجموعة استثمارية خليجية بتوقيع عقد لإنشاء وإدارة المطار.
فور خروجه من باب المطار كان بانتظارهم وفد يمني رسمي بصحبة فتيات صغيرات يحملن عقود من الفل طوقن بها عنق كل فرد منهم كعربون شكر، دمعت عينا احمد فهو لم يتوقع مثل هذا الاستقبال الدافئ فور وصوله.

في الحافلة التي اقلتهم إلى وجهتهم شاهد من خلال النافذة أعمال البناء والتعمير الضخمة والتي بدأت تظهر من كل جهة، العشرات من الأبراج الراقية التي اكتمل بنائها تصطف على الشوارع الحديثة والمشجرة، النظافة والنظام في كل مكان، ولدت عدن من رمادها تماما كالعنقاء، ولدت بعد ان ارتوت بدماء الشهداء المخلصين من أهلها ومن الخليج العربي وها هي اليوم تقف بشموخ من ابى الخضوع والاستسلام تعلن لقوافل الشهداء ان تضحياتهم قد مهدت الطريق لكل ما يراه أبنائهم اليوم.
وصلوا الى مبتغاهم بعد رحلة قصيرة، توقفت الحافلة أمام مبنى ضخم انتهى إنجازه ويحمل لافتة ” مستشفى شهداء الإمارات في عدن ” ، امام اللوحة التذكارية الضخمة المنصوبة امام مدخل المستشفى لمح اسم والده منحوتا بجانب أسماء كافة شهداء الإمارات في اليمن. خيل إليه أن صورة والده قد تشكلت امامه وهي تنظر له بفخر، في اخر اتصال بينهم طلب منه والده وعلى الرغم من صغر عمره وقتها ان يتولى مسؤولية المنزل في غيابه، لم ينسى هذه الأمر أبدا وكان يحاول دائما أن يكون على قدر المهمة، و الأن يقف بفخر امام والده ليخبره بأنه قد نفذ وصيته. توالت كلمات الترحيب التي القاها العديد من القادة اليمنين وكانت تركز على مدى شعورهم بالفخر اليوم وهم يقفون مع أبناء الشهداء الذين أعادوا لعدن ولليمن الحرية.

تكرر اسم عدن كثيرا وكانت الأفكار تتصارع في رأس أحمد وهو يستمع الى هذه الكلمات، شرد بتفكيره بعيدا في أزقة عدن القديمة، عدن هذه المدينة الغريبة التي لم ازرها من قبل، كم كنت أغار من عدن يا والدي، عدن التي ذهبت إليها ولم تعد منها، عدن التي عشت فيها شهور عديدة بعيدا عني، المدينة التي بذلت فيها دمك رخيصا من اجل تحريرها، المدينة التي تلونت رمالها بدمائك، المدينة التي قضيت فيها اخر لحظات حياتك، احس بالغيرة منها لأنها المكان الذي احتواك وضمك في اخر لحظات بعد التفجير الغادر الذي وقع في المعسكر الحربي، كنت أتمنى لو كنت أنا من ضمك لحظتها وأن أغرق في صدرك لتعلق رائحتك في اعمق خلايا دماغي وأحبسها هناك الى الابد، كنت أتمنى أن أكون وقتها بقربك لأخبرك بمدى حبي لك وأمسح أثار الحرب عن وجهك، لكن جرى كل هذا جرى وأنا بعيد عنك، نالت عدن شرف الحصول على كل هذه اللحظات معك بينما كنت أنا بعيدا عنك. نعم كنت أغار منها يا والدي ولكنني الأن وبعد زيارتي الأولى لعدن لم أستطع إلا أن أحبها، عدن أيتها الجميلة الناعسة منذ ألوف الأعوام بين الجبل والبحر، يا عين اليمن ويا مرسى الحضارات، ارجوك احكي قصة والدي لكل من سيسكن أحيائك وسيمشي في أزقتك ويعبر دروبك، أخبريهم بأن الشهداء هم من رسموا مستقبلك وأنهم لهذا أحياء عند ربهم يرزقون.

في طريق عودتهم الى المطار وبعد انتهاء الاحتفال، كان احمد مطرقا رأسه وهو يفكر بكل ما جرى اليوم، كان يغالب نفسه لكي لا يبكي على ذكرى والده والتي انفجرت اليوم، غالب نفسه كثيرا منذ كان طفلا في الثامنة من عمره من اجل ان يمنع عواطفه من الظهور للعلن، كان يحاول دائما ان يظهر بمظهر صلب لكي تستند إليه أمه في وحدتها بعد رحيل والده ولكن الان لا يستطيع منع دموعه الفرار من عينيه، بكى احمد بصمت لوحده طوال الرحلة الى المطار، كانت دموعه تتقاطر عن وجهه فتمس القلادة المعدنية لتعيد لها الحياة شيئا فشيء، قبل هبوطه من الباص، سمع صوتا يهمس له ويخبره بأن البكاء ليس بعيب، ابكي واغسل الهموم عن صدرك ولكن بعد ذلك امسح الدموع عن عينيك وارفع رأسك وتذكر من كان والدك، تذكر الشهيد سالم. كان الصوت قريبا جدا يوشوش بهذه الكلمات الدافئة، استجاب لها احمد وارتسمت ابتسامة الرضا والفخر على وجهه الذي رفعه ليستقبل الحياة من جديد، وضع يده على القلادة وتمتم بصوت منخفض، شكرا يا صديقتي القديمة .

Share Button

في فريجنا بانوش !

” معظم الشوارع سميت على الخشب، كنا نتمنى أن تسمى على الشعب”
تغريدة جميلة اختصر فيها الفريق ضاحي خلفان تميم المشكلة والحل

في العام ١٩٨٣ وعندما كانت بومريخة لا تضم الا ٦٠٠ منزل قرر أحد سكانها ان يساهم في دعم انتشار الرقعة الخضراء فقام بزراعة عدد من أشجار النخيل على الطريق الهادئ وقتها الرابط بين إمارتي ابوظبي ودبي والمار بمنطقة بومريخة وتعهدها بالرعاية والري، لم يطلب منه أحد القيام بذلك، كان وعيه الاجتماعي مرتفعا وكان يشعر بأن المواطنة هي ان تخدم وطنك بصمت بدل أن تتوقع أن تقوم الحكومة بخدمتك في كل شيء. وصلت الأخبار سريعا الى الشيخ زايد بن سلطان عن هذه المبادرة الفردية فأمر بزراعة الطريق بأكمله وان تتعهد الدولة برعايتها الكاملة للمشروع، كانت رسالة شكر لهذا الشخص ولكافة سكان بومريخة وقتها من والد الامارات رحمه الله والذي كان يفرح بمثل هذه المبادرات دائما.

بحثت عن اسم هذا الشخص كثيرا وسألت العديد من سكان بومريخة عن القصة بدون جدوى إلى أن تمكن أحد أعضاء ” قروب الطيبين ” ممن عاصر انشاء وتوسع بومريخة من تذكر اسم الشخص وتأكيد الحادثة وأنا متأكد بأن اكثرية الشباب في بومريخة وما جاورها من مناطق سكنية ضخمة لا يعرفون من هو السيد سالم سبت غانم ولا يعرفون عن مبادرته وعن مكافئة الشيخ زايد لفعله ولسكان بومريخة قبل أكثر من ثلاثين عام.

في بومريخة اليوم شارع الدقل وشارع النهام وشارع البانوش وشارع 41 وشارع 51! ولكن لا يوجد شارع يحمل اسم سالم غانم، ذاكرة الأحداث في فريجنا على وشك الاختفاء وبدل توثيقها على صدر لوحات الشوارع فإن شوارعنا باتت تحمل اسماء غريبة لا تخبر سكان المنطقة شيئا عن تاريخهم، لا اعتقد بأن سكان الشهامة كانوا من الغاصة حتى نذكرهم يوميا بكلمات الدقل والبانوش ولكنني متأكد بأننا بحاجة الى ان نذكرهم بالسيد سالم.

في بومريخة كنت أتمنى أن أرى شارعا يحمل اسم أحد سكانها، شارع يحمل اسم الممثل محمد راشد-رحمه الله والمشهور بالكراني نسبة الى دوره في أشهر مسلسل تلفزيوني إماراتي ” شحفان” وشارع يحمل اسم جمعة صالح أول مدير مدرسة في بومريخة والذي تخرج على يديه الألاف من الطلبة أو شارع يحمل اسم التميمي-رحمه الله أشهر مؤذن في بومريخة أو شارع يتزين باسم ” محمد علي ” أول شهيد تقدمه بومريخة دفاعا عن الوطن .

هنالك العديد من الشخصيات العظيمة التي عاشت في بومريخة وتركت بصمة واضحة على سكان هذا الفريج الشعبي وأنا متأكد بأن هنالك العشرات غيرهم في كل فريج شعبي في الامارات ولكن ان لم نبادر الى تزيين شوارعنا بأسمائهم فإن الذاكرة ستخوننا في وقت ما وسيصبحون مجرد سراب معرض للاختفاء في أي وقت.

نريد أن نزرع في أبنائنا أننا نحترم ونحتفل بالمثقف والمدرس والمعلم وامام المسجد والشهيد وأمثالهم ممن يعملون بصمت وجد من أجل وطن أفضل للأجيال القادمة ولهذا تزدان شوارع فرجاننا الشعبية بأسمائهم. أتمنى ان تتحرك الجهات المسؤولة عن أسماء الشوارع في الامارات كافة لحل هذه المشكلة واختيار الأسماء بطريقة هادفة يكون من خلفها رسالة سامية فهل تتحقق الأمنية؟ أترك الإجابة للجهة المختصة .

نسيت أن اخبركم بأن بومريخة لم تعد تعرف بهذا الاسم الأن لأن الشيخ زايد رحمه الله كان مارا بالمنطقة بعد فترة قصيرة من إنشائها فتعرضت سيارته لحادث بسيط، فهب شباب المنطقة لمساعدته فقرر تغيير اسم بومريخة الى ” الشهامة” للدلالة على شهامة اهل المنطقة، قلة تعرف هذه القصة ولكن بإمكان شارع واحد فقط حفظ الذكرى الى الأبد.

Share Button

المريض لا يهبط بالبراشوت

كنت حاضرا في أغلب المشاهدات التي سأوريها لكم

بداية لابد وأن أتقدم بالشكر لسفارتنا في جمهورية سنغافورة فما يقومون به من جهود في خدمة المرضى الاماراتيين في الخارج يفوق ما تقدمه سفارة أي دولة أخرى وانا متأكد بأن كل سفارتنا حول العالم تقوم بنفس هذه المهمة على اكمل وجه. لا امتلك مخزونا كافيا من كلمات الشكر لمنسوبي سلكنا الدبلوماسي ولا للقادة الذين رسخوا هذه الروح العظيمة في نفوسهم، هنيئا لنا بما يقدمونه من دعم وخدمات لكل مواطن إماراتي في الخارج.

دخلت م وهي سيدة ناهزت الستين من عمرها إلى بهو المستشفى الحكومي فلم تجد أحدا في استقبالها، لم تعرف إلى أين تتجه بعد أن انزلها السائق عند مدخل المستشفى، حاولت أن تسأل أحد الممرضين بالمستشفى ولكنه لم يكن يتحدث العربية ولم يستطع التواصل معها، لولا تدخل أحد المرضى وتواصله مع الممرض لما استطاعت هذه السيدة أن تعرف أين هي عيادة القلب التي تتعالج فيها. في جمهورية تايلند وعند باب المستشفى يقابلك موظف الاستقبال بابتسامة غير متصنعة وهو يحييك بالعربية، نعم يا سادة بالعربية في دولة غير عربية، ثم يقوم باستدعاء مترجم يتحدث العربية ليكون مرافقك طوال زيارتك للمستشفى!
مستشفياتنا بحاجة ماسة إلى تغيير الفكرة النمطية عن المستشفيات الحكومية والتي تقوم على مبدأ شبيه ب ” الداخل اليها مفقود ” – التحدث بالعربية لابد وأن يكون فرض عين على جميع العاملين لا فرض كفاية يسقط إن اجادها عشرة موظفين!

“م” الطفل الصغير والذي كان يتعالج في الولايات المتحدة وعاد مؤخرا الى الامارات بعد ان من الله عليه بالشفاء، وخلال تردده على المستشفى الحكومي في مدينته لإجراء الفحوص الدورية كان يمتلك امنية وحيدة ولكن المستشفى المحلي رفض تلبيتها، كانت غرفته تطل على ساحة العاب مخصصة للأطفال، كانت كل امنيته ان يتم افتتاح هذه الساحة ليلعب بها ولكن هذه الساحة كانت مغلقة منذ أعوام وتم رفض طلب “م” بدون ابداء الأسباب وبدون ان يفهم السادة الأطباء والإداريين في هذه المستشفى الحكومي بأن نصف العلاج في حالة “م” يكمن في الدعم النفسي.
في الولايات المتحدة كان فريق التطبيب والتمريض ل “م” يولي عناية خاصة للحالة النفسية للمريض ولمرافقيه كذلك لانهم يدركون بأنها عملية مترابطة وبأن الدعم النفسي الذي سيناله المريض ومرافقيه سينعكس على حالته المرضية إيجابا.
مستشفياتنا الحكومية قد لا ينقصها الأطباء المؤهلون علميا ولكن ينقصها الطبيب الذي يدرك بأن العقار الطبي ليس هو العلاج الوحيد للكثير من الأمراض.

“ج” الطفلة المصابة بمرض نادر منذ ولادتها جعلتها عاجزة تماما عن أداء الوظائف الطبيعية للإنسان بدون دعم خارجي، لم يتم تشخيص حالتها عند ولادتها في المستشفى المحلي بالرغم من الاشتباه بحالتها خلال الفحص الطبي لها قبل الولادة ولكن لم يتم اخضاعها للمزيد من الفحوص الا بعد مرور شهرين على ولادتها وحتى بعد ذلك اخبر المستشفى والديها بأن الأجهزة اللازمة للقيام بهذه الفحوصات تعاني من ضغط كبير وبأن الفحوصات ستحتاج الى عدة اشهر لاستكمالها، قام والداها بالسفر الى دولة خليجية مجاورة لزيارة مستشفى خاص وهناك تم عمل كافة الفحوصات اللازمة خلال يوم واحد!
بعض مستشفياتنا خصصت الجزء الأكبر من ميزانيتها لعلاج أمراض الكحة والانفلونزا وتناست بأن واجبها أن تنظر لعلاج الحالات المستعصية لأن هذه الحالات لا يمكن علاجها بحبة بنادول!

“ش” قامت بالولادة بعملية قيصرية في مستشفى حكومي وحيد في العاصمة وقامت بحجز غرفة خاصة بها لتستطيع الراحة وبما يتوافق مع حالتها الطبية بعد العملية، قيمة ايجار هذه الغرفة في الليلة كان 500 درهم وهو يوازي قيمة حجز غرفة في الفندق ذي النجوم الخمسة المجاور للمستشفى ولكن مع التفاوت الكبير في المستوى بين الغرفتين من حيث الاهتمام والمستوى، ومع هذا فإن إدارة المستشفى قد اخبرتها بأنها لابد وأن تغادر هذه الغرفة بعد ثلاثة أيام ومهما كانت ظروفها، في نهاية اليوم الثالث غادرت غرفتها متجهة الى منزلها على كرسي متحرك بسبب عدم قدرتها على المشي. طوال مدة اقامتها لمدة ثلاثة أيام لم تقم الطبيبة المشرفة بزيارتها الا مرة واحدة فقط للاطمئنان على حالتها كما انها لم تقابلها عند خروجها لتتأكد من استقرار حالتها والسماح لها بالذهاب الى منزلها. لو حجزت “ش” غرفة في الفندق المجاور لقام العامل المسؤول عن الغرفة بطرق بابها مرتين في اليوم ليتأكد من ” أن كل شي تمام ” !
ربما حان الوقت لنخبر المهندسين المسؤولين عن تصميم مستشفياتنا الحكومية بأننا نطمح أن تكون المباني والتجهيزات مشابهه لمباني الفنادق الفخمة بل وأن يتولى أحد الفنادق إدارة المستشفى وبما إننا أصبحنا ندفع ثمن الإقامة.

في مستشفى حكومي مختص بمعالجة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كان الإباء يتدافعون حول الطبيب الوحيد والذي تأخر عليهم وهو يتناول غداءه، لا يوجد غير هذا الطبيب ليقوم بفحص وتشخيص حالات أبنائهم ولهذا فإن حجز المواعيد يكاد ان يكون مستحيلا وتفصل بين مواعيد المراجعة شهور طويلة بينما يحتاج المريض من هذه الفئة الى مراقبة دائمة لتفادي انتكاس حالته، صرخ فيهم الطبيب غاضبا لدى رؤية تجمرهم: ما الذي تريدونه كلكم ولماذا تتصرفون بهذه الهمجية؟ من لا يعجبه الوضع فليتفضل بالشكوى لدى إدارة المستشفى!
ربما حان الوقت لأن نجعل تقييم الطبيب في يد المريض لا في يد إدارته لعله يدرك بأن مصدر رزقه هو الشخص الذي يعاني أمامه لا مديره الجالس في غرفة وثيرة الأثاث.

مستشفى حكومي مهيب في وسط واحدة من أغنى مدن العالم، مبناه قديم قدم الاتحاد نفسه، المريض المحظوظ من سيجد موقفا شاغرا لسيارته وسيضطر الى أن يمشي مسافة طويلة ليصل إلى باب المستشفى وتحت اشعة الشمس الحارقة. في نفس المدينة يوجد مركز تجاري ضخم به مواقف مغطاة متعددة الطوابق وفوق هذا فلقد وفر خدمة صف السيارات عند باب المركز.
ربما حان الوقت لنخبر مهندسي البناء في القطاع الصحي بحقيقة أن المريض لا ينزل الى المستشفى بالبراشوت من الفضاء وبأن توفير موقف ملائم لسيارته هو احدى الضرورات البديهية وأن توفير مساحة يتم تأجيرها لبناء مقاهي ومطاعم وغيرها من المرافق فكرة قديمة في كافة مستشفيات العالم الأول والاحرى بهم أن يضيفوها إلى مخططاتهم.

أ، و، ح، و، ر يذهبون للعلاج قسرا في المستشفيات الخاصة والتي يتعالجون بها على حساب برنامج ثقة الوطني ولكن المستشفى الخاص يصر على اجراء فحوصات عديدة مكلفة قد يكون بعضها غير ضروري ولا يملك المريض ان يحتج عليها فكل شيء مدفوع عن طريق ثقة وكل ما عليه ان يقدم هويته الوطنية. مؤخرا قامت هيئة الصحة بفرض رسوم على هذه الخدمات ولكن هل سيوقف هذا جشع تجار الطب؟ ومن سيحمي المريض من سندان جشعهم ومطرقة الرسوم وهو الباحث عن قشة يتعلق بها من الغرق في بحر المرض!
ربما حان الوقت لوقف زحف المستشفيات الخاصة، أو وضع المزيد من القوانين المقيدة، فلقد أصبح إفتتاح مستشفى خاص بقصد الربح الفاحش اسهل من افتتاح مخبزفكل ما عليك هو إستئجار فيلا ومن ثم إعادة تأجيرها لمجموعة من الأطباء والذين سيقومون بفرض رسوم خيالية تتحملها ثقة لأنها وثقت بمن هو ليس اهلا للثقة!

كانت مستشفياتنا الحكومية رحبة بأعداد المرضى المواطنين ولكن قرر أحدهم بأن تتحمل الدولة علاج الوافدين كذلك في المستشفيات الحكومية مع إن تأمينهم الصحي يمنحهم الحق بالعلاج في المستشفيات الخاصة، فجأة غصت مستشفياتنا الحكومية بأعداد هائلة من الأخوة الوافدين وباتت عاجزة عن توفير العلاج المناسب في الوقت المناسب للمواطن والوافد! لا اريد ان يتم استخدام كلماتي من قبل مناصري العنصرية ولكننا نتكلم عن العلاج يا سادة وهو أهم ما تقدمه أي حكومة لأبنائها، وبعد افتتاح العشرات من المستشفيات الخاصة وبعد تطبيق نظام ضمان للتأمين الصحي لغير المواطنين بت عاجزا عن فهم موضوعية فتح المستشفيات الحكومية للجميع!

لا يسعى المريض إلى العلاج في الخارج دلعا أو بغرض السياحة، كل ما هنالك أنه فقد ولسبب غامض ثقته بالمستشفى الحكومي، شيء في هذا الصرح يدفعه للفرار منه موليا الادبار، قد يكون السبب المبنى القديم المتهالك، او تجهم ممرضة او رطنة الدكتور الأجنبي او عدم الاهتمام بتوفير المعدات اللازمة او صفوف الانتظار الطويلة امام الصيدلية او حتى موقف السيارات العصي، لا أعلم السبب ولكنني اعلم بأن الدولة تصرف المليارات سنويا على علاج أبنائها في الخارج وهذه المليارات كان من الممكن ان تصرف في داخل الدولة لو رجع اقتناع المواطن بالمستشفى الحكومي وستسهم هذه المليارات في دعم نشاط البحث الطبي داخل الدولة وهو نشاط يقف بعيدا جدا عن باقي مؤشرات النمو المتسارعة في الدولة. ربما تساهم المستشفيات الحديثة التي تم افتتاحها مؤخرا في جزيرة الريم والمفرق قريبا في حل هذه المشكلة إن هي اولت اهتماما كافيا بكافة النقاط التي ذكرتها مسبقا، فهل يتحقق ذلك ؟ وهل يصبح العلاج في الخارج أثرا بعد عين ويصبح المستشفى الحكومي هو خيارنا الأول دائما؟ اترك الإجابة لذوي الاختصاص.

Share Button

هل الداعشي هو من يقتل أباه فقط؟

” لقد جئت لأحرض الرجل على أبيه، والابنة على أمها، وزوجة الابن على أم زوجها، سيكون أعداء الرجل من داخل منزله، وسوف يقدم الأخ اخاه للموت، وسيثور الأبناء على آبائهم ويسوقونهم إلى الموت”
هذه الكلمات المنسوبة لسيدنا عيسى عليه السلام في بداية دعوته التبشيرية تلخص واقع الدين ومكانته كحركة جماهيرية تستدعي الخضوع الكامل لها ووضعها في الموضع الأعلى والأقدس في حياة الإنسان وهو موقف يتشابه مع الحركات الجماهيرية الأخرى، فخلال الحركة النازية كان الجار هو من يخبر السلطات عن جيرانه إن كانوا من اليهود أو من المتعاطفين معهم ليلاقوا حتفهم حرقا وتجويعا، وخلال الثورة الثقافية في الصين كان طلاب المدارس والجامعات يبلغون عن أباءهم إن شكوا في برجوازيتهم، وفي العراق أبيدت مدن كردية كاملة بالأسلحة الكيماوية من دون أي اعتراض شعبي مع أن الأكرد عراقيون بالجنسية مسلمين بالديانة، لقد صدمنا التاريخ البشري بهشاشة العلاقات الإنسانية وبأن روابط العائلة والدم والتي نكن لها أعلى مشاعر الاحترام والتقدير من الممكن كسرها بسهولة شديدة وعلى مستوى واسع في المجتمع متى ما تهيأت الظروف، فالداعشي ليس الوحيد القادر على قتل والديه من أجل قضيته، فأي إنسان مهيئ للعب هذا الدور وكما أخبرنا تاريخنا البشري.
لهذا حذر الكاتب إيريك هوفر في كتابه ” المؤمن الصادق ” من السماح بتراكم المسببات لمثل هذا الإنفلات وتحت أي مسمى أو ذريعة لأن نتيجته ستكون في أغلب الأوقات وخيمة ومدمرة وذكر بأن الإحباط المتراكم داخل شخص أو مجموعة من الأشخاص سيتحول إلى تطرف وهذا التطرف سينمو ليتحول إلى إرهاب يضرب كل ما حوله من مجتمع ومؤسسات تحت قيادة من يحسن إستغلال هذه الظروف المناسبة ويمتلك موهبة قيادة الجماهير نحو الفوضى لتحقيق أهدافه.
نمتلك اليوم المقدرة على إيقاف مسببات أحد الحروب وهي الحروب الدينية، فالتطور السريع في وسائل الاتصالات قد سهل نشر التعاليم الدينية حول العالم ومن دون الحاجة إلى شن الحروب، ووفرت الانترنت مادة دسمة للراغبين في البحث عن الدين الحق لإتباعه عن قناعة، وبات السفر والاحتكاك بمعتنقي الديانات الأخرى لدراسة أفعالهم وأقوالهم من أبسط ما يكون، ولكل هذا لعل الجهاد الديني العسكري في كافة الأديان في طريقه للنهاية والاضمحلال لإنعدام أسبابه وبوفاته قد يمهد لإنتشار الأمراض بباقي المسببات الأخرى للحروب.
من العبث اخراج زكاة الأموال في بناء المساجد بالقرى المهجورة من طيف الحضارة بينما يموت فيها الإنسان جوعا، أفضل أن أطعم ألف انسان على أن ابني بيتا واحد يعبدون فيه الله جياعا. ومن المستهجن أن نجوب الأرض بحثا عن المحرومين من معتنقي نفس الدين فقط، أفضل أن أشارك الاخرين بعضا من النعم التي رزقني بها الله ربي وربهم ولكنه فضلني لسبب لا أعرفه عليهم فخصني ببعض نعمه. وفي عصر الحريات الإنسانية من المنكر أن يتم تضييق الطريق على المختلف عنا دينا لأثبت العزة لنفسي ولقومي، أفضل أن أبسط لهم جناح الرحمة في مدينتي كما أبسطها لأخي المسلم، فكوني متدينا لا تعني أن احول مدينتي إلى غابة يبطش فيها القوي المسيطر بالضعيف. إنه عصر جديد يا سادة تسود فيه الأخلاق والمنطق ويهمش فيه كل جاحد ختار، ولعل الأخلاق تكون حبل الإنقاذ الأخير لكوكبنا الأرضي وقبل أن تعصف به حركة جماهيرية يقودها المجانين ونتبعهم نحن.

Share Button