مآتم الكتاب العربي

المنظر العام لمشاهدة ألوف البشر وهي تتزاحم لدخول معرض الكتاب الأخير المقام في العاصمة السعودية الرياض كان مشجعا وباعثا على الفرحة ولكن وفور دخولك للمعرض ستحزن وأنت تشاهد بعينيك القصة الحقيقة والسبب الغريب لتدافع الأغلبية من هؤلاء، ماجرى في معرض الرياض للكتاب لم يختلف كثيرا عن ماجرى سابقا في معرضي الشارقة وقطر وما سيحصل لاحقا في معرض أبوظبي.

فإن كنت ترغب في كتابة كتاب يحمل عصارة أفكارك ونظرتك للأمور الحياتيه المعقدة فأنت لم تعد مطالبا الأن بأن تشرب الحبر وتمضغ أوراق الكتب، كما إنه بإمكانك ان تسقط حتمية قراءة مئات الكتب لتوسيع مداركك وبإمكانك أن تشطب من لائحة أصدقائك كل الأخوة المثقفين ومحبي القراءة، فكل ماعليك فعله هو ان تنشأ حسابا في احد وسائل التواصل الاجتماعي ثم تحاول أن تملئه بكل غث وسمين ويستحسن أن تميل الكفة للغث فمتابعين السمين هذه الأيام أصبحوا قلة بعد انتشار ثقافة المحافظة على الرشاقة في كل شيء . بمجرد أن تحقق رقما مقبولا من أعداد المتابعين ويستحسن ان يكون اغلبهم من المراهقين السذج فأنت مؤهل الان لوضع كل غثك في كتاب رشيق يحمل اسمك وصورتك على صدره وأن تكون صورتك معبرة وكأنها تخبر متابعيك بأنك من سيحملهم بواسطة هذا الكتاب لتضعهم بجانب أفلاطون في فلسفته وفيثاغورس في نظرياته ونيوتن في عبقريته وبأنهم يستطيعون الان ان يضيفوا شرف قراءة كتابك في سيرتهم المهنية عند التقديم للوظائف في كبرى الشركات.

بعد زياراتي لمعارض الكتاب هذه السنة اتضح لي بأن من سيقود معارضنا العربية للكتاب خلال المرحلة القادمة سيكون مهرجي وسائل التواصل الاجتماعي وليس الكاتب المتفرغ لكتابته كعابد نازك لا يبتغي الاجر ولا الشهرة بل السعادة فيما يفعله، انها موجة كاسحة قادمة وبقوة ولن تكتفي بتخريب معنى معرض الكتاب وما يمثله من مكانة راقية ومميزة بل انها كذلك ستهدم الصومعة فوق باقي الكتاب المحترمين لتخلي الساحة تماما للأخوة المهرجين. منظر الكاتب السوداني الشهير والذي كان يجلس وحيدا مهملا في دار النشر التى طرحت أعماله وهو ينظر بحسرة الى الازدحام الخانق من جمهور متعطش للحصول على توقيع وصورة مع احد الشباب من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي والذي بلغت به الجرأة ان يجمع مجموعة من التفاهات التى اطلق عليها “اسرار الحب” والتى نجح في ان يدغدغ سابقا بها مشاعر متابعيه المراهقين وان يجمعهم حوله وان يضعها في كتاب يحمل اسمه. كان المنظر محزنا وكانت كلمات الكاتب السوداني تطعن في قلب كل من يعشق الكتاب وهو يردد بحسرة مشيرا إلى كتبه” ليتني لم أضيع وقتا ثمينا في كتابة هذه الكتب المهملة لو انني كنت اعرف بأنني سأنافس هذا الديك … في النهاية ، عائلتي ونفسي كانت احق بهذا الوقت من موجة القراء الجهلة الذين ابتليت بهم معارض الكتاب ”

عند محاورتي لأحد هؤلاء من الكتاب الشباب ممن وجد نفسه مشهورا فجأة بسبب برنامج تويتر فاجئني بقوله انه ليس من هواة القراءة ولا يرى ضرورة ذلك ولكنه يعتقد بأن إصدار كتاب يحمل اسمه سيرفع من مقامه في المجتمع بين متابعيه! اصبح الكتاب وسيلة لرفع صاحبه بعد ان كان وسيلة لرفعة المجتمع !

من المحزن ان يتسيد هؤلاء مشهد الثقافة، ان مجرد السماح لهم بذلك يجعلنا جميعا شركاء في الجريمة التى ستخلق جيلا مسطحا تافها يسعى لإقتناء كتاب مجهول ولكنه لا يمتلك ثقافة التمييز بين المفيد من السيء، جيلا يمتلك الوقت لزيارة معرض الكتاب ليس من أجل السعي في رحلة المغامرة والبحث عن كتاب شيق وفريد بل من أجل نيل شرف الحصول على توقيع أحد مشاهير التواصل الاجتماعي، فلتنح النائحات لهذا المصاب، ولتبك الباكيات لهذا الجلل في ما صار يطلق عليه بمآتم الكتاب العربي.

Share Button

هوزيه، سائق سيارة الأجرة

لم يبدأ تعارفنا بشكل جيد، كنت أنتظر وصوله عند ناصية الشارع و كان يقف في المكان الخطأ، ارتفعت نبرة صوتي وأنا احدثه هاتفيا محاولا شرح مكاني بطريقة فجة بعد أن بدأ الشك يتسلل الى قلبي من أن هناك حاجز لغوي كبير يفصل بيننا.

برغم هذا نجح في الوصول الي بعد دقائق اخرى من الانتظار….

حياني قائلا ” أهلا سيدي، إسمي هوزيه وسأكون بخدمتك خلال رحلتك، عذرا على تأخري في الوصول إليك فأنا مازلت احاول معرفة طريقي في هذه المدينة الجميلة”

استطاع بكلماته المنمقة هذه من أن يمتص غضبي وإثارة فضولي حوله، دفعني دفعا وفور دخولي لسيارة الأجرة التى يقودها لأسئله عن الدولة التى أتى منها بعد أن نجح في نصب مصيدته حولي ليدفعني بهذا الاتجاه.

اجاب فضولي بقوله إنه قد جاء من جوهرة أفريقيا، احدى مستعمرات بريطانيا السابقة، أوغندا.

” مالذي أتى بك للعمل في هذه البلد ياهوزيه ؟”

أجابني ” لقد كنت أعمل سائقا لشاحنة نقل في كمبالا ”

نظر الى عيني من خلال المرآة الأمامية ليتأكد من انني اتابع حديثه، ثم باغتني بسؤاله ” هل سمعت عن اتفاقية النيل بالمناسبة؟ ”

تلعثمت وانا احاول نبش ذاكرتي حول هذه الاتفاقيه، ثم ارتجلت إجابتي المفضلة في مثل هذه المواقف ” نعم اعرف القليل عنها، ولكن هذا لا يمنع أن تخبرني انت كل ما تعرف عنها ”

ارتسمت على وجهه ابتسامه كشفت عن صفان من اللؤلؤ

اخبرني عن قريته الصغيرة

عن اتفاقيه النيل الموقعة بين الدول التى يمر بها شريان أفريقيا والمجحفة بحق دول المنبع ولمصلحة دولة المصب

عن عجز أوغندا عن امتصاص غضب هذا النهر عندما يكون في مزاج متعكر بسبب منعها من إقامة السدود عليه

وعن اثار ذلك على الأوغنديين

عن غرق مزرعة والده بسبب الفيضان

عن سفره الى جوهرة افريقيا كمبالا وعمله كسائق شاحنه ليساعد والده بعد فقدانهم للمزرعة

عن خبر في صحيفة محليه عن وظيفة في بلد نفطي خليجي

عن مقابلة مع أشخاص من الجنسية الهنديه حول هذه الوظيفة

عن وعود كثيرة واموال لا حصر لها ستهطل بغزارة وبدون توقف كأمطار أوغندا في اغسطس

ثم عن سفره

وتلاشي احلامه على يد سارقي الأحلام

عن اختطاف نصف راتبه بزعم توفير المسكن

وعن العلاوات المقتطعة والغرامات التي لا يمكن تلافيها وأنت تقود سيارتك في وسط بحر من الناس المستعجلين دائما للوصول الى وجهات لاتنتظرهم بشغف!

أخبرني عن العمل لمدة ١٨ ساعة من اجل ان يسدد فواتير معيشته وتوفير شيء بسيط ليدعم والده

عن الغربة

عن ملايين البشر الذين يعيشون في نفس الخدعة

عن شبكة مافيا العمل التى يديرها الغرباء ليصيدوا بها الغرباء

عن الأمهات اللاتي يودعن أبنائهن بدموع الأمل

والزوجات اللاتي يودعن أزواجهن بحزن الاشتياق

والأطفال الذين يكبرون ولا يعرفون عن الغريب الذي يزورهم كل سنتين وهو يحمل بعض الهدايا وابتسامة اللوعة الا لفظ الوالد المغترب

عن الصداقات التى أنشئها مع جنسيات مختلفة من الطبقة الكادحة ممن يعملون بصمت ويرحلون في صمت

عن فرحه الشديد عندما يجد فرصة مثل هذه ليشارك الجميع قصصه وكعادة سكان قريته الصغيرة

عند وصولنا الى وجهتي، حياني بإبتسامة كبيرة وهو يقول ” لا تنسى، انا اسمي هوزيه وانا احكي قصة ملايين البشر في بلدك ”

Share Button

” وكل شيء أحصيناه كتابا ”

انقضى عام القراءة وبدأ عام الخير وما بين عام وعام مضت الأيام بسرعة مذهلة حتى إن البعض لم يزل يعيش في العام المنصرم وكأنه حلم جميل لا يريد الإستيقاظ منه وخصوصا محبي القراءة والذين لم يكن اكثرهم تفاؤلا يتوقع بأن تخصص دولة في العالم عام كامل لدعم مشروع القراءة بين القاطنين على أرضها وإصدار القوانين المحفزة على ذلك وسن العديد من التشريعات التي دعمت نشر المكتبات العامة والمعرفة في كل مكان. انقضى العام سريعا كسرعة حركة حكومة الامارات الشابه وبما إنها حكومة تحمل أطنانا عديدة من الأفكار السابقة لعصرها والتي تسعى لتنفيذها على ارض الواقع لتصبح الامارات دولة من المستقبل فإنها قد مضت قدما في التفكير وأطلقت فكرة جديدة مع العام الجديد، ولينهض فجأة من كان يعيش في أحلام عام القراءة متسائلا عن مصير عام القراءة ما تم تحقيقه فيه وكيفيه الحصول على ضمان أن مبادراته لن تموت بإنتهاء عام القراءة وهي أسئلة مهمة ومن الضروري التوقف عندها والبحث عن إجابات مقنعة بعيدا عن العاطفة لان نفس هذه الأسئلة ستتكرر مستقبلا حول عام الخير وحول باقي الأعوام الخيرة التي تتنظرنا.

الملاحظ هو غياب الإحصاءات الرسمية عن هذه المبادرة، فلم أرى أي رقم يدل على مدى انتشار شعبية القراءة بين سكان الامارات قبل عام القراءة، ولا توجد إحصائية توضح كم من الوقت يقضيه السكان في القراءة بإختلاف جنسياتهم، ولم الحظ وجود رقم وطني حول الوقت المستهدف للقراءة الذي وضعته الحكومة للقاطنين فيها بحيث يتم الوصول اليه تدريجيا خلال الأعوام القادمة!
الرقم الوحيد الذي سمعه أغلبنا هو أن الفرد العربي يقرأ في العادة لمدة ستة دقائق في العام فقط وهي معلومة محبطة كنت أتمنى لو كنا نمتلك أداة إحصائية دقيقة توضح الحقيقة والإنجاز المتوقع خلال الأعوام القادمة.

الاحصائيات قبل الشروع في طرح أي فكرة مهمة جدا وهي أداة فعالة في الحكم على النجاح او الحاجة الى المراجعة والتعديل، لانريد ان تصبح مبادرات العام التخصصي مجرد فرقعات إعلامية، بل نريد ان نعرف نقطة البداية ونقاط الصعود المرتقبة للانجاز ومدى تنفيذها فبهذه الطريقة سنضمن ان يبقى الشغف والاهتمام بها وبهذا سنتمكن من ان نثبت للعالم ان نجاحنا واقع نعيشه ونستطيع ان نشارك العالم تجاربنا فيه، نريد ان نكون قدوة في كل شيء وان نمتلك المعلومات الكافية التي تدعم هذا التوجه، العالم تقوده الأرقام والاحصائيات المثبتة ونحن جزء من هذا العالم، فهل ننتبه إلى خطورة غياب هذا الجزء من المبادرات الحكومية المشابهه؟ أتمنى ذلك واترك الإجابة للاخوة المسؤوليين .

Share Button

أحمد والقلادة

محمد حسن المرزوقي
العام 2025م
استيقظ احمد صباحا على صوت هاتفه النقال منذرا بقدوم اتصال، نظر احمد بتكاسل الى الساعة، إنها الثامنة صباحا وهو لم يتعود الاستيقاظ مبكرا في فترة اجازته الصيفية بعد تخرجه حديثا من المدرسة. احتار بين تجاهل المكالمة او الرد عليها ولكن فضوله غلبه في النهاية ليجيبها، على الطرف الاخر من المكالمة كان المتحدث يعرف عن نفسه وعن سبب اتصاله، اعتدل احمد في جلسته وحاول ان يطرد اثار النوم من صوته وهو يرد على الطرف الأخر: نعم بالتأكيد سيشرفني ذلك.
كانت والدته على معرفة بهذا الامر عندما اخبرها بالاتصال الوارد من مكتب ذوي الشهداء والذي طلب منه أن يتجهز للسفر العاجل غدا، قبلته على جبينه كعادتها كل صباح وقالت له: اذهب بحفظ الرحمن يا ولدي ولا تنسى من كان والدك.

والده الشهيد الذي توفي منذ عشرة أعوام يعود الأن فجأة الى حياته، خفتت ذكراه بمرور الزمن وانشغاله بالدراسة وتولي شؤون والدته بوصفه الابن الوحيد لها، لم يبقى من ذكراه المحسوسة سوى القلادة العسكرية التي كان والده يرتديها لحظة استشهاده والتي انتهى بها المطاف لاحقا لتطوق عنق احمد وتصبح صديقته الدائمة والتي يقسم انها تهمس في اذنه ليلا وهي تتمنى له احلاما سعيدة.

في الموعد المحدد وصلت السيارة التي ستقله الى المطار، استقلها بعد ان ودع امه وفي خلال وقت قصير كان امام باب المغادرين في مطار أبوظبي، استقبله بالترحاب الضابط المسؤول عن تنظيم الرحلة وأخذه ليلتحق بباقي زملائه، كان هناك قرابة العشرين شابا من مختلف الاعمار ولكنهم يتشابهون في الصفة الوحيدة المشتركة بينهم: ابن الشهيد. نظر إليهم الضابط بفخر ثم قال لهم: هيا بنا، عدن بانتظاركم.

عند نزولهم من الطائرة في مطار عدن الدولي الجديد والذي افتتح قبل عدة أعوام، لفت انتباهه ضخامة المبنى وحداثته، بدأت الاستثمارات الدولية بالانسياب على اليمن بعد انتهاء حرب التحرير وقامت مجموعة استثمارية خليجية بتوقيع عقد لإنشاء وإدارة المطار.
فور خروجه من باب المطار كان بانتظارهم وفد يمني رسمي بصحبة فتيات صغيرات يحملن عقود من الفل طوقن بها عنق كل فرد منهم كعربون شكر، دمعت عينا احمد فهو لم يتوقع مثل هذا الاستقبال الدافئ فور وصوله.

في الحافلة التي اقلتهم إلى وجهتهم شاهد من خلال النافذة أعمال البناء والتعمير الضخمة والتي بدأت تظهر من كل جهة، العشرات من الأبراج الراقية التي اكتمل بنائها تصطف على الشوارع الحديثة والمشجرة، النظافة والنظام في كل مكان، ولدت عدن من رمادها تماما كالعنقاء، ولدت بعد ان ارتوت بدماء الشهداء المخلصين من أهلها ومن الخليج العربي وها هي اليوم تقف بشموخ من ابى الخضوع والاستسلام تعلن لقوافل الشهداء ان تضحياتهم قد مهدت الطريق لكل ما يراه أبنائهم اليوم.
وصلوا الى مبتغاهم بعد رحلة قصيرة، توقفت الحافلة أمام مبنى ضخم انتهى إنجازه ويحمل لافتة ” مستشفى شهداء الإمارات في عدن ” ، امام اللوحة التذكارية الضخمة المنصوبة امام مدخل المستشفى لمح اسم والده منحوتا بجانب أسماء كافة شهداء الإمارات في اليمن. خيل إليه أن صورة والده قد تشكلت امامه وهي تنظر له بفخر، في اخر اتصال بينهم طلب منه والده وعلى الرغم من صغر عمره وقتها ان يتولى مسؤولية المنزل في غيابه، لم ينسى هذه الأمر أبدا وكان يحاول دائما أن يكون على قدر المهمة، و الأن يقف بفخر امام والده ليخبره بأنه قد نفذ وصيته. توالت كلمات الترحيب التي القاها العديد من القادة اليمنين وكانت تركز على مدى شعورهم بالفخر اليوم وهم يقفون مع أبناء الشهداء الذين أعادوا لعدن ولليمن الحرية.

تكرر اسم عدن كثيرا وكانت الأفكار تتصارع في رأس أحمد وهو يستمع الى هذه الكلمات، شرد بتفكيره بعيدا في أزقة عدن القديمة، عدن هذه المدينة الغريبة التي لم ازرها من قبل، كم كنت أغار من عدن يا والدي، عدن التي ذهبت إليها ولم تعد منها، عدن التي عشت فيها شهور عديدة بعيدا عني، المدينة التي بذلت فيها دمك رخيصا من اجل تحريرها، المدينة التي تلونت رمالها بدمائك، المدينة التي قضيت فيها اخر لحظات حياتك، احس بالغيرة منها لأنها المكان الذي احتواك وضمك في اخر لحظات بعد التفجير الغادر الذي وقع في المعسكر الحربي، كنت أتمنى لو كنت أنا من ضمك لحظتها وأن أغرق في صدرك لتعلق رائحتك في اعمق خلايا دماغي وأحبسها هناك الى الابد، كنت أتمنى أن أكون وقتها بقربك لأخبرك بمدى حبي لك وأمسح أثار الحرب عن وجهك، لكن جرى كل هذا جرى وأنا بعيد عنك، نالت عدن شرف الحصول على كل هذه اللحظات معك بينما كنت أنا بعيدا عنك. نعم كنت أغار منها يا والدي ولكنني الأن وبعد زيارتي الأولى لعدن لم أستطع إلا أن أحبها، عدن أيتها الجميلة الناعسة منذ ألوف الأعوام بين الجبل والبحر، يا عين اليمن ويا مرسى الحضارات، ارجوك احكي قصة والدي لكل من سيسكن أحيائك وسيمشي في أزقتك ويعبر دروبك، أخبريهم بأن الشهداء هم من رسموا مستقبلك وأنهم لهذا أحياء عند ربهم يرزقون.

في طريق عودتهم الى المطار وبعد انتهاء الاحتفال، كان احمد مطرقا رأسه وهو يفكر بكل ما جرى اليوم، كان يغالب نفسه لكي لا يبكي على ذكرى والده والتي انفجرت اليوم، غالب نفسه كثيرا منذ كان طفلا في الثامنة من عمره من اجل ان يمنع عواطفه من الظهور للعلن، كان يحاول دائما ان يظهر بمظهر صلب لكي تستند إليه أمه في وحدتها بعد رحيل والده ولكن الان لا يستطيع منع دموعه الفرار من عينيه، بكى احمد بصمت لوحده طوال الرحلة الى المطار، كانت دموعه تتقاطر عن وجهه فتمس القلادة المعدنية لتعيد لها الحياة شيئا فشيء، قبل هبوطه من الباص، سمع صوتا يهمس له ويخبره بأن البكاء ليس بعيب، ابكي واغسل الهموم عن صدرك ولكن بعد ذلك امسح الدموع عن عينيك وارفع رأسك وتذكر من كان والدك، تذكر الشهيد سالم. كان الصوت قريبا جدا يوشوش بهذه الكلمات الدافئة، استجاب لها احمد وارتسمت ابتسامة الرضا والفخر على وجهه الذي رفعه ليستقبل الحياة من جديد، وضع يده على القلادة وتمتم بصوت منخفض، شكرا يا صديقتي القديمة .

Share Button

في فريجنا بانوش !

” معظم الشوارع سميت على الخشب، كنا نتمنى أن تسمى على الشعب”
تغريدة جميلة اختصر فيها الفريق ضاحي خلفان تميم المشكلة والحل

في العام ١٩٨٣ وعندما كانت بومريخة لا تضم الا ٦٠٠ منزل قرر أحد سكانها ان يساهم في دعم انتشار الرقعة الخضراء فقام بزراعة عدد من أشجار النخيل على الطريق الهادئ وقتها الرابط بين إمارتي ابوظبي ودبي والمار بمنطقة بومريخة وتعهدها بالرعاية والري، لم يطلب منه أحد القيام بذلك، كان وعيه الاجتماعي مرتفعا وكان يشعر بأن المواطنة هي ان تخدم وطنك بصمت بدل أن تتوقع أن تقوم الحكومة بخدمتك في كل شيء. وصلت الأخبار سريعا الى الشيخ زايد بن سلطان عن هذه المبادرة الفردية فأمر بزراعة الطريق بأكمله وان تتعهد الدولة برعايتها الكاملة للمشروع، كانت رسالة شكر لهذا الشخص ولكافة سكان بومريخة وقتها من والد الامارات رحمه الله والذي كان يفرح بمثل هذه المبادرات دائما.

بحثت عن اسم هذا الشخص كثيرا وسألت العديد من سكان بومريخة عن القصة بدون جدوى إلى أن تمكن أحد أعضاء ” قروب الطيبين ” ممن عاصر انشاء وتوسع بومريخة من تذكر اسم الشخص وتأكيد الحادثة وأنا متأكد بأن اكثرية الشباب في بومريخة وما جاورها من مناطق سكنية ضخمة لا يعرفون من هو السيد سالم سبت غانم ولا يعرفون عن مبادرته وعن مكافئة الشيخ زايد لفعله ولسكان بومريخة قبل أكثر من ثلاثين عام.

في بومريخة اليوم شارع الدقل وشارع النهام وشارع البانوش وشارع 41 وشارع 51! ولكن لا يوجد شارع يحمل اسم سالم غانم، ذاكرة الأحداث في فريجنا على وشك الاختفاء وبدل توثيقها على صدر لوحات الشوارع فإن شوارعنا باتت تحمل اسماء غريبة لا تخبر سكان المنطقة شيئا عن تاريخهم، لا اعتقد بأن سكان الشهامة كانوا من الغاصة حتى نذكرهم يوميا بكلمات الدقل والبانوش ولكنني متأكد بأننا بحاجة الى ان نذكرهم بالسيد سالم.

في بومريخة كنت أتمنى أن أرى شارعا يحمل اسم أحد سكانها، شارع يحمل اسم الممثل محمد راشد-رحمه الله والمشهور بالكراني نسبة الى دوره في أشهر مسلسل تلفزيوني إماراتي ” شحفان” وشارع يحمل اسم جمعة صالح أول مدير مدرسة في بومريخة والذي تخرج على يديه الألاف من الطلبة أو شارع يحمل اسم التميمي-رحمه الله أشهر مؤذن في بومريخة أو شارع يتزين باسم ” محمد علي ” أول شهيد تقدمه بومريخة دفاعا عن الوطن .

هنالك العديد من الشخصيات العظيمة التي عاشت في بومريخة وتركت بصمة واضحة على سكان هذا الفريج الشعبي وأنا متأكد بأن هنالك العشرات غيرهم في كل فريج شعبي في الامارات ولكن ان لم نبادر الى تزيين شوارعنا بأسمائهم فإن الذاكرة ستخوننا في وقت ما وسيصبحون مجرد سراب معرض للاختفاء في أي وقت.

نريد أن نزرع في أبنائنا أننا نحترم ونحتفل بالمثقف والمدرس والمعلم وامام المسجد والشهيد وأمثالهم ممن يعملون بصمت وجد من أجل وطن أفضل للأجيال القادمة ولهذا تزدان شوارع فرجاننا الشعبية بأسمائهم. أتمنى ان تتحرك الجهات المسؤولة عن أسماء الشوارع في الامارات كافة لحل هذه المشكلة واختيار الأسماء بطريقة هادفة يكون من خلفها رسالة سامية فهل تتحقق الأمنية؟ أترك الإجابة للجهة المختصة .

نسيت أن اخبركم بأن بومريخة لم تعد تعرف بهذا الاسم الأن لأن الشيخ زايد رحمه الله كان مارا بالمنطقة بعد فترة قصيرة من إنشائها فتعرضت سيارته لحادث بسيط، فهب شباب المنطقة لمساعدته فقرر تغيير اسم بومريخة الى ” الشهامة” للدلالة على شهامة اهل المنطقة، قلة تعرف هذه القصة ولكن بإمكان شارع واحد فقط حفظ الذكرى الى الأبد.

Share Button

المريض لا يهبط بالبراشوت

كنت حاضرا في أغلب المشاهدات التي سأوريها لكم

بداية لابد وأن أتقدم بالشكر لسفارتنا في جمهورية سنغافورة فما يقومون به من جهود في خدمة المرضى الاماراتيين في الخارج يفوق ما تقدمه سفارة أي دولة أخرى وانا متأكد بأن كل سفارتنا حول العالم تقوم بنفس هذه المهمة على اكمل وجه. لا امتلك مخزونا كافيا من كلمات الشكر لمنسوبي سلكنا الدبلوماسي ولا للقادة الذين رسخوا هذه الروح العظيمة في نفوسهم، هنيئا لنا بما يقدمونه من دعم وخدمات لكل مواطن إماراتي في الخارج.

دخلت م وهي سيدة ناهزت الستين من عمرها إلى بهو المستشفى الحكومي فلم تجد أحدا في استقبالها، لم تعرف إلى أين تتجه بعد أن انزلها السائق عند مدخل المستشفى، حاولت أن تسأل أحد الممرضين بالمستشفى ولكنه لم يكن يتحدث العربية ولم يستطع التواصل معها، لولا تدخل أحد المرضى وتواصله مع الممرض لما استطاعت هذه السيدة أن تعرف أين هي عيادة القلب التي تتعالج فيها. في جمهورية تايلند وعند باب المستشفى يقابلك موظف الاستقبال بابتسامة غير متصنعة وهو يحييك بالعربية، نعم يا سادة بالعربية في دولة غير عربية، ثم يقوم باستدعاء مترجم يتحدث العربية ليكون مرافقك طوال زيارتك للمستشفى!
مستشفياتنا بحاجة ماسة إلى تغيير الفكرة النمطية عن المستشفيات الحكومية والتي تقوم على مبدأ شبيه ب ” الداخل اليها مفقود ” – التحدث بالعربية لابد وأن يكون فرض عين على جميع العاملين لا فرض كفاية يسقط إن اجادها عشرة موظفين!

“م” الطفل الصغير والذي كان يتعالج في الولايات المتحدة وعاد مؤخرا الى الامارات بعد ان من الله عليه بالشفاء، وخلال تردده على المستشفى الحكومي في مدينته لإجراء الفحوص الدورية كان يمتلك امنية وحيدة ولكن المستشفى المحلي رفض تلبيتها، كانت غرفته تطل على ساحة العاب مخصصة للأطفال، كانت كل امنيته ان يتم افتتاح هذه الساحة ليلعب بها ولكن هذه الساحة كانت مغلقة منذ أعوام وتم رفض طلب “م” بدون ابداء الأسباب وبدون ان يفهم السادة الأطباء والإداريين في هذه المستشفى الحكومي بأن نصف العلاج في حالة “م” يكمن في الدعم النفسي.
في الولايات المتحدة كان فريق التطبيب والتمريض ل “م” يولي عناية خاصة للحالة النفسية للمريض ولمرافقيه كذلك لانهم يدركون بأنها عملية مترابطة وبأن الدعم النفسي الذي سيناله المريض ومرافقيه سينعكس على حالته المرضية إيجابا.
مستشفياتنا الحكومية قد لا ينقصها الأطباء المؤهلون علميا ولكن ينقصها الطبيب الذي يدرك بأن العقار الطبي ليس هو العلاج الوحيد للكثير من الأمراض.

“ج” الطفلة المصابة بمرض نادر منذ ولادتها جعلتها عاجزة تماما عن أداء الوظائف الطبيعية للإنسان بدون دعم خارجي، لم يتم تشخيص حالتها عند ولادتها في المستشفى المحلي بالرغم من الاشتباه بحالتها خلال الفحص الطبي لها قبل الولادة ولكن لم يتم اخضاعها للمزيد من الفحوص الا بعد مرور شهرين على ولادتها وحتى بعد ذلك اخبر المستشفى والديها بأن الأجهزة اللازمة للقيام بهذه الفحوصات تعاني من ضغط كبير وبأن الفحوصات ستحتاج الى عدة اشهر لاستكمالها، قام والداها بالسفر الى دولة خليجية مجاورة لزيارة مستشفى خاص وهناك تم عمل كافة الفحوصات اللازمة خلال يوم واحد!
بعض مستشفياتنا خصصت الجزء الأكبر من ميزانيتها لعلاج أمراض الكحة والانفلونزا وتناست بأن واجبها أن تنظر لعلاج الحالات المستعصية لأن هذه الحالات لا يمكن علاجها بحبة بنادول!

“ش” قامت بالولادة بعملية قيصرية في مستشفى حكومي وحيد في العاصمة وقامت بحجز غرفة خاصة بها لتستطيع الراحة وبما يتوافق مع حالتها الطبية بعد العملية، قيمة ايجار هذه الغرفة في الليلة كان 500 درهم وهو يوازي قيمة حجز غرفة في الفندق ذي النجوم الخمسة المجاور للمستشفى ولكن مع التفاوت الكبير في المستوى بين الغرفتين من حيث الاهتمام والمستوى، ومع هذا فإن إدارة المستشفى قد اخبرتها بأنها لابد وأن تغادر هذه الغرفة بعد ثلاثة أيام ومهما كانت ظروفها، في نهاية اليوم الثالث غادرت غرفتها متجهة الى منزلها على كرسي متحرك بسبب عدم قدرتها على المشي. طوال مدة اقامتها لمدة ثلاثة أيام لم تقم الطبيبة المشرفة بزيارتها الا مرة واحدة فقط للاطمئنان على حالتها كما انها لم تقابلها عند خروجها لتتأكد من استقرار حالتها والسماح لها بالذهاب الى منزلها. لو حجزت “ش” غرفة في الفندق المجاور لقام العامل المسؤول عن الغرفة بطرق بابها مرتين في اليوم ليتأكد من ” أن كل شي تمام ” !
ربما حان الوقت لنخبر المهندسين المسؤولين عن تصميم مستشفياتنا الحكومية بأننا نطمح أن تكون المباني والتجهيزات مشابهه لمباني الفنادق الفخمة بل وأن يتولى أحد الفنادق إدارة المستشفى وبما إننا أصبحنا ندفع ثمن الإقامة.

في مستشفى حكومي مختص بمعالجة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كان الإباء يتدافعون حول الطبيب الوحيد والذي تأخر عليهم وهو يتناول غداءه، لا يوجد غير هذا الطبيب ليقوم بفحص وتشخيص حالات أبنائهم ولهذا فإن حجز المواعيد يكاد ان يكون مستحيلا وتفصل بين مواعيد المراجعة شهور طويلة بينما يحتاج المريض من هذه الفئة الى مراقبة دائمة لتفادي انتكاس حالته، صرخ فيهم الطبيب غاضبا لدى رؤية تجمرهم: ما الذي تريدونه كلكم ولماذا تتصرفون بهذه الهمجية؟ من لا يعجبه الوضع فليتفضل بالشكوى لدى إدارة المستشفى!
ربما حان الوقت لأن نجعل تقييم الطبيب في يد المريض لا في يد إدارته لعله يدرك بأن مصدر رزقه هو الشخص الذي يعاني أمامه لا مديره الجالس في غرفة وثيرة الأثاث.

مستشفى حكومي مهيب في وسط واحدة من أغنى مدن العالم، مبناه قديم قدم الاتحاد نفسه، المريض المحظوظ من سيجد موقفا شاغرا لسيارته وسيضطر الى أن يمشي مسافة طويلة ليصل إلى باب المستشفى وتحت اشعة الشمس الحارقة. في نفس المدينة يوجد مركز تجاري ضخم به مواقف مغطاة متعددة الطوابق وفوق هذا فلقد وفر خدمة صف السيارات عند باب المركز.
ربما حان الوقت لنخبر مهندسي البناء في القطاع الصحي بحقيقة أن المريض لا ينزل الى المستشفى بالبراشوت من الفضاء وبأن توفير موقف ملائم لسيارته هو احدى الضرورات البديهية وأن توفير مساحة يتم تأجيرها لبناء مقاهي ومطاعم وغيرها من المرافق فكرة قديمة في كافة مستشفيات العالم الأول والاحرى بهم أن يضيفوها إلى مخططاتهم.

أ، و، ح، و، ر يذهبون للعلاج قسرا في المستشفيات الخاصة والتي يتعالجون بها على حساب برنامج ثقة الوطني ولكن المستشفى الخاص يصر على اجراء فحوصات عديدة مكلفة قد يكون بعضها غير ضروري ولا يملك المريض ان يحتج عليها فكل شيء مدفوع عن طريق ثقة وكل ما عليه ان يقدم هويته الوطنية. مؤخرا قامت هيئة الصحة بفرض رسوم على هذه الخدمات ولكن هل سيوقف هذا جشع تجار الطب؟ ومن سيحمي المريض من سندان جشعهم ومطرقة الرسوم وهو الباحث عن قشة يتعلق بها من الغرق في بحر المرض!
ربما حان الوقت لوقف زحف المستشفيات الخاصة، أو وضع المزيد من القوانين المقيدة، فلقد أصبح إفتتاح مستشفى خاص بقصد الربح الفاحش اسهل من افتتاح مخبزفكل ما عليك هو إستئجار فيلا ومن ثم إعادة تأجيرها لمجموعة من الأطباء والذين سيقومون بفرض رسوم خيالية تتحملها ثقة لأنها وثقت بمن هو ليس اهلا للثقة!

كانت مستشفياتنا الحكومية رحبة بأعداد المرضى المواطنين ولكن قرر أحدهم بأن تتحمل الدولة علاج الوافدين كذلك في المستشفيات الحكومية مع إن تأمينهم الصحي يمنحهم الحق بالعلاج في المستشفيات الخاصة، فجأة غصت مستشفياتنا الحكومية بأعداد هائلة من الأخوة الوافدين وباتت عاجزة عن توفير العلاج المناسب في الوقت المناسب للمواطن والوافد! لا اريد ان يتم استخدام كلماتي من قبل مناصري العنصرية ولكننا نتكلم عن العلاج يا سادة وهو أهم ما تقدمه أي حكومة لأبنائها، وبعد افتتاح العشرات من المستشفيات الخاصة وبعد تطبيق نظام ضمان للتأمين الصحي لغير المواطنين بت عاجزا عن فهم موضوعية فتح المستشفيات الحكومية للجميع!

لا يسعى المريض إلى العلاج في الخارج دلعا أو بغرض السياحة، كل ما هنالك أنه فقد ولسبب غامض ثقته بالمستشفى الحكومي، شيء في هذا الصرح يدفعه للفرار منه موليا الادبار، قد يكون السبب المبنى القديم المتهالك، او تجهم ممرضة او رطنة الدكتور الأجنبي او عدم الاهتمام بتوفير المعدات اللازمة او صفوف الانتظار الطويلة امام الصيدلية او حتى موقف السيارات العصي، لا أعلم السبب ولكنني اعلم بأن الدولة تصرف المليارات سنويا على علاج أبنائها في الخارج وهذه المليارات كان من الممكن ان تصرف في داخل الدولة لو رجع اقتناع المواطن بالمستشفى الحكومي وستسهم هذه المليارات في دعم نشاط البحث الطبي داخل الدولة وهو نشاط يقف بعيدا جدا عن باقي مؤشرات النمو المتسارعة في الدولة. ربما تساهم المستشفيات الحديثة التي تم افتتاحها مؤخرا في جزيرة الريم والمفرق قريبا في حل هذه المشكلة إن هي اولت اهتماما كافيا بكافة النقاط التي ذكرتها مسبقا، فهل يتحقق ذلك ؟ وهل يصبح العلاج في الخارج أثرا بعد عين ويصبح المستشفى الحكومي هو خيارنا الأول دائما؟ اترك الإجابة لذوي الاختصاص.

Share Button

هل الداعشي هو من يقتل أباه فقط؟

” لقد جئت لأحرض الرجل على أبيه، والابنة على أمها، وزوجة الابن على أم زوجها، سيكون أعداء الرجل من داخل منزله، وسوف يقدم الأخ اخاه للموت، وسيثور الأبناء على آبائهم ويسوقونهم إلى الموت”
هذه الكلمات المنسوبة لسيدنا عيسى عليه السلام في بداية دعوته التبشيرية تلخص واقع الدين ومكانته كحركة جماهيرية تستدعي الخضوع الكامل لها ووضعها في الموضع الأعلى والأقدس في حياة الإنسان وهو موقف يتشابه مع الحركات الجماهيرية الأخرى، فخلال الحركة النازية كان الجار هو من يخبر السلطات عن جيرانه إن كانوا من اليهود أو من المتعاطفين معهم ليلاقوا حتفهم حرقا وتجويعا، وخلال الثورة الثقافية في الصين كان طلاب المدارس والجامعات يبلغون عن أباءهم إن شكوا في برجوازيتهم، وفي العراق أبيدت مدن كردية كاملة بالأسلحة الكيماوية من دون أي اعتراض شعبي مع أن الأكرد عراقيون بالجنسية مسلمين بالديانة، لقد صدمنا التاريخ البشري بهشاشة العلاقات الإنسانية وبأن روابط العائلة والدم والتي نكن لها أعلى مشاعر الاحترام والتقدير من الممكن كسرها بسهولة شديدة وعلى مستوى واسع في المجتمع متى ما تهيأت الظروف، فالداعشي ليس الوحيد القادر على قتل والديه من أجل قضيته، فأي إنسان مهيئ للعب هذا الدور وكما أخبرنا تاريخنا البشري.
لهذا حذر الكاتب إيريك هوفر في كتابه ” المؤمن الصادق ” من السماح بتراكم المسببات لمثل هذا الإنفلات وتحت أي مسمى أو ذريعة لأن نتيجته ستكون في أغلب الأوقات وخيمة ومدمرة وذكر بأن الإحباط المتراكم داخل شخص أو مجموعة من الأشخاص سيتحول إلى تطرف وهذا التطرف سينمو ليتحول إلى إرهاب يضرب كل ما حوله من مجتمع ومؤسسات تحت قيادة من يحسن إستغلال هذه الظروف المناسبة ويمتلك موهبة قيادة الجماهير نحو الفوضى لتحقيق أهدافه.
نمتلك اليوم المقدرة على إيقاف مسببات أحد الحروب وهي الحروب الدينية، فالتطور السريع في وسائل الاتصالات قد سهل نشر التعاليم الدينية حول العالم ومن دون الحاجة إلى شن الحروب، ووفرت الانترنت مادة دسمة للراغبين في البحث عن الدين الحق لإتباعه عن قناعة، وبات السفر والاحتكاك بمعتنقي الديانات الأخرى لدراسة أفعالهم وأقوالهم من أبسط ما يكون، ولكل هذا لعل الجهاد الديني العسكري في كافة الأديان في طريقه للنهاية والاضمحلال لإنعدام أسبابه وبوفاته قد يمهد لإنتشار الأمراض بباقي المسببات الأخرى للحروب.
من العبث اخراج زكاة الأموال في بناء المساجد بالقرى المهجورة من طيف الحضارة بينما يموت فيها الإنسان جوعا، أفضل أن أطعم ألف انسان على أن ابني بيتا واحد يعبدون فيه الله جياعا. ومن المستهجن أن نجوب الأرض بحثا عن المحرومين من معتنقي نفس الدين فقط، أفضل أن أشارك الاخرين بعضا من النعم التي رزقني بها الله ربي وربهم ولكنه فضلني لسبب لا أعرفه عليهم فخصني ببعض نعمه. وفي عصر الحريات الإنسانية من المنكر أن يتم تضييق الطريق على المختلف عنا دينا لأثبت العزة لنفسي ولقومي، أفضل أن أبسط لهم جناح الرحمة في مدينتي كما أبسطها لأخي المسلم، فكوني متدينا لا تعني أن احول مدينتي إلى غابة يبطش فيها القوي المسيطر بالضعيف. إنه عصر جديد يا سادة تسود فيه الأخلاق والمنطق ويهمش فيه كل جاحد ختار، ولعل الأخلاق تكون حبل الإنقاذ الأخير لكوكبنا الأرضي وقبل أن تعصف به حركة جماهيرية يقودها المجانين ونتبعهم نحن.

Share Button

من قتل المسرح فكأنما قتل التاريخ

في البدء كان الإنسان فالتاريخ فالقصة فالمسرح فالتلفزيون، وقبل ما يزيد عن سبعين عاما وعندما كان الخليج وسكانه يعيشون في ضيافة الجهل والفقر كانت هناك بدايات حركة مسرحية مميزة تنمو في قلب الكويت قلب الخليج وتاريخه، في الوقت الذي كان أغلب سكان الخليج عبارة عن بدو رحل أو يعيشون على باب الله على ضفاف الخليج كانت الكويت تنمو متفردة لتعرض في العام 1955 مسرحية ” مدير فاشل ” من بطولة احمد النشمي في وقت لم يكن الخليجي يعرف معنى الإدارة.
وفي الوقت الذي كان التعليم ترفا لا يناله إلا قلة قليلة من أبناء الخليج، كان أبناء الكويت قد انخرطوا عميقا في مجال التعليم، وتفرعوا في العلوم الفنية فكانت هناك أربع فرق مسرحية تمثل مدارس المباركية، الاحمدية، القبلية والشرقية يتنافس طلابها في تقديم العروض المسرحية.
وفي الوقت الذي كان الخليجي يعيش مغتربا في بلاد الله بحثا عن رزقه طلبت الكويت من المسرحي المصري ” زكي طليمات ” في العام 1961 القدوم إليها لدفع مسيرة المسرح خطوة إضافية بعد قرابة الأربع سنوات من تأسيس المسرح الشعبي بجهود محلية لينطلق على يديه المسرح العربي والذي قال عنه طليمات في بداية تأسيسه ” المسرح الشعبي القائم يخاطب الجمهور الكويتي بلغته وعاداته وتقاليده بينما سيقوم المسرح العربي بإحياء أمجاد العروبة واستخراج العبرة من تاريخها” وتقدم للانضمام للمسرح العربي وقتها قرابة ال 250 شخص تم اختيار 40 ممثل بينهما سيدتان هما مريم الصالح ومريم الغضبان، ليكونوا النواة الصلبة للانطلاقة الحقيقية للمسرح الكويتي.

إنه تاريخ عميق وغني في هذا المجال يبتعد بعشرات الأعوام عن الدول المجاورة بل وينافس الدول العربية العريقة كجمهورية مصر العربية ولهذا تسيد المسرح الكويتي الساحة الخليجية منذ تلك الفترة وإلى الأن وامتد تسيده بطبيعة الحال إلى مجال الأعمال التلفزيونية، والتي حاولت السير على خطى المسرح المحترف لتشابه أسماء المشاركين في المجالين، فكانت أعمالا تعكس المجتمع الكويتي وغنى حياته في تلك المرحلة و ليقدم التلفزيون الكويتي في مرحلة السبعينيات الثمانينات أجمل المسلسلات والأفلام في تاريخه والتي ما زالت تعتبر علامة فارقة كويتيا وعربيا، فكانت الباكورة مع فلم “بس يا بحر” في 1972 والذي استمد قصته الحزينة من البحر ذلك الجار الشقي والذي كان مصدرا للرزق والحزن في آن واحد ليفوز هذا الفيلم على الرغم من قلة الإمكانيات وقتها بعدد معتبر من الجوائز العربية والعالمية. ثم توالت الإنجازات فكان مسلسل ” حبابة” في عام 1976، “الأقدار” و”درب الزلق” عام 77، “الابريق المكسور” 78، “إلى أبي وأمي مع التحية” 79، ” خرج ولم يعد” و ” العتاوية ” 80، “ابله منيرة” 81، “كامل الأوصاف” 82، ” خالتي قماشة” 83، ” رقية وسبيكة” 86. وغيرها الكثير من المسلسلات التي كانت تتشابه في شيئين الأول أن أغلب المشاركين كانوا ممن ساهم في تأسيس المسرح الكويتي والثاني تغليب الطابع الكوميدي على مجمل هذه الأعمال لأن المجتمع الكويتي كان يعيش في بحبوحة من العيش وقتها مقارنة بكافة المجتمعات العربية فكان طبيعيا أن تخرج الأعمال بروح كوميدية محببة.

بدأت بعد ذلك بوادر الشيخوخة في التسعينات، فلقد مر على إنشاء المسرح قرابة الثلاثين عاما وكان الكثير من رواده قد اعتزلوا أو انتقلوا الى الرفيق الأعلى وقل الدعم الحكومي للإنتاج الفني بشكل عام وزادت حدة المراقبة وتم غزو الكويت ليبتعد نجوم المرحلة الأولى بهدوء عن الساحة مفسحين المجال للإنتاج التجاري البحت والذي استطاع في عشرة أعوام تدمير تاريخ طويل من النجاح والتميز الفني. في تلك الفترة برزت الكاتبة فجر السعيد بكتاباتها السوداوية الغير مبررة والتي كانت تعتمد على التلاعب بالعواطف الإنسانية عن طريق تقديم نماذج بشرية متطرفة ومشاكل نادرة الوجود ليتم تعميميها على الساحة الفنية، مستغلة امتلاك عائلتها لقناة فضائية خاصة استطاعت من خلالها إنتاج وإطلاق أعمالها الفنية الخاصة، لتنتج في عشرة سنوات قرابة الاثني عشر مسلسل جمع بينهم محاولات ” دحش” حالات الصراخ والبكاء الهستيري باسم الواقعية الاجتماعية في محاولة للتغطية على بقية جوانب السوء في العمل الفني من حيث النص والحوار والأداء، وفي نفس كان يتم قتل المسرح بطريقة مختلفة عن طريق إدخال الكوميديا المبتذلة على يد داوود حسين وطارق العلي و ليتم قص جناحي الحركة الفنية الكويتية على يد الجيل الثاني من الممثلين وحفنة من تجار الفن.

هذا ليس بنعي للحركة الفنية هناك، فالكل يعلم بأن الجثة قد تحللت ” وفاحت الرائحة” ولم يعد بالإمكان إنكارها، فالتشويه أخذ يطال حتى الأعمال المكتوبة التي نالت أعلى المراتب الثقافية، مثلما حصل مؤخرا مع رواية ” ساق البامبو” ، ولكنه صرخة تخوف من انتشار نفس التيار في كافة الدول الخليجية بفعل تأثرها الكبير بالحركة الفنية الكويتية، ارحمونا يا سادة فهذا الإنتاج الفني لا يمثل حياتنا ولا يناقش قضايانا ولا تلبث ان يسقط من ذاكرتنا فور انتهاء الحلقة الأخيرة منه، الرحمة يا سادة فنحن لا ” نتشعبط” في المايكرو باص للذهاب إلى العمل ولا نعاني من ويلات الحروب ولا نقف في طوابير طويلة أمام الجمعيات التعاونية ولا نعيش في غابة الفوضى فمن أين تأخذون أفكاركم السوداء حول ما يجب إنتاجه ولماذا التصنع في إنتاج دراما حزينة لا تعكس واقع المجتمع بشكل مجمل وكيف تدفعون كل سنة بعشرات الوجوه الجديدة من دون أي تدريب أو تأسيس فني ملائم؟ الرحمة يا سادة، فأولا كان الإنسان فالتاريخ فالمسرح وبقتل المسرح فإننا نقتل جزءا مهما من تاريخنا.

Share Button

خرائط التيه

يستفزني منظرهم في كل مرة تقودني ذنوبي وامل قديم بمسحها الى الحرم المكي، من هؤلاء ولماذا ينتشرون هنا بكثرة؟ أين آبائهم ؟ ولماذا قرر الله ان تسكن ارواحهم في هذه الاجساد المشوهه؟ الله اكبر الله اكبر .. ريال ياحج… طفل ينظر الى بتوسل وهو يتعمد إظهار ذراعه المبتورة من فوق المرفق. اشهد ان لا اله الا الله … ريال لله طفلة عوراء بعمر الثامنة مرتدية الحجاب وتسحب بيدها دمية بشرية لاتتعدي الثالثة تنزح من انفها سوائل بيضاء داعية الذباب الشيطاني الى وجبة مقرفة. اشهد ان محمدا رسول الله…صدقة ياحج … شاب في العقد الثاني من عمره رسم جسده بطريقة منافية للهيئة البشرية ، احدى ساقيه مثنية من تحت الركبة الى جانب جسده والأخرى مقطوعة من فوق الركبة، يزحف على الارض مثل عنكبوت بشري. حي على الصلاة حي على الفلاح …
احاول ان أسرع الخطى في الساحة المكسية برخام ابيض فخم بإتجاه بوابة الدخول محاولا تناسي وجود هذه اللطخات السوداء . الله اكبر الله اكبر لا اله الا الله…. اشعر بالحزن العميق في صوت المؤذن هذه المرة وكأنه ينعى أطفال الله!

هذه المناظر الصادمة للعشرات من الأطفال المتسولين في ساحات الحرم اعتدنا رؤيتها حتى نسينا ان نسأل أنفسنا من هؤلاء ولماذا قست عليهم الحياة بهذه الطريقة ولماذا يتكاثرون في ساحات الحرم؟ هل يلجأون فيه الى الله من حالهم ام يلجأون فيه الى عباده .. من عباده ؟
ظاهرة تمنيت لو تصدى لها الكتاب السعوديين فحصا وتمحيصا ولكن ولسبب غريب اختاروا ان ينضموا الى ملايين الحجاج في قافلة الهروب من الحقيقة.

لابأس فلقد تصدت كاتبة شابة من الكويت لهذا الامر أخيرا وكتبت واحدة من اجمل الروايات العربية التى ستلامس روحك وتستفز مشاعرك وانت تقرأها. انصحك بقرائتها وحيدا فرواية خرائط التيه لبثينة العيسى ستدمي قلبك لتبكي عيونك ، في بعض فصولها قد تحتاج الى وجود كيس ورقي بجانبك كالذي يخبروننا بوجوده في الطائرات لتقيء فيه أفعال الشر البشرية. ستحاول التوقف عن القراءة احيانا ليس بسبب أدبي فلغة الكتابة هنا راقية جدا والاسلوب الفني في كتابتها واضح بطريقة مخجلة لباقي المحاولات الأدبية في هذا المجال، ستحاول التوقف لانك ستحاول إقناع نفسك بأن ماتقرأه ليس من الحقيقة في شيء وبأن الخيال في هذه الرواية قد فاق روايات الخيال العلمي ولكنك ستعود الى تكملتها لانك تدرك بأن هذه الرواية مستمدة من احداث حقيقية تعاكس حتى ما ذكرته الكاتبة نفسها في بدايتها ” أحداث هذه الرواية مستمدة من الخيال و لاتمت الى الواقع بصلة! ”

عزيزي القارئ كلي ثقة بأن نظرتك لأي طفل متسول ستتغير بعد قرائتك لهذه الرواية وبدل أن تنهرهم وكما اعتدت سابقا فإنك ستنظر في عينيه محاولا قراءة قصته . كلي ثقة بأنك ستشعر بالخوف الشديد على أطفالك حتى اثناء نومهم تحت سقف منزلك بعد أن تدرك بأن العالم في الخارج ماهو الا غابة كبيرة السيطرة فيها للأقوى.

شكرًا بثينة العيسى على جهدك الضخم في هذا العمل المميز وبرغم حزني الشديد لان جائزة البوكر العربية لم تنصفك ولكن تيقني سيدتي بأن هذه الجائزة لاتشكل شيئا مقارنة بالأثر الضخم الذي ستتركه هذه الرواية في عقل وقلب القارئ العربي .

Share Button

حينما أذن الهندوسي

رواية
“حينما أذّن الهندوسي”

المقدمة
“إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ”

تكرر أحد أحلامي كثيراً وفترةً طويلةً، شخص مسن وبشرته بلون القهوة يقول لي بنبرة حزينة: اكتب، لم أعرف ماذا يقصد بكلامه، في الحلم الأوّل لم أرد عليه، في الحلم الثاني ازددت جرأةً وأجبته: ما أنا بكاتب، في الحلم الثالث ضغط على عنقي حتى كاد يكسره وهو يهمس بصوت يشبه صوت فحيح الأفعى: اكتب قصة ملايين الأرواح المعذبة في هذا الكون، اكتب قصة مَن كُتِب عليهم البؤس والشقاء قبل ولادتهم، اكتب عن الأكاذيب التي اختلقها بعضهم ليبرروا كثيراً من جرائمهم وكيف سهل عليهم خيانة الآلهة نفسها من أجل مصالحهم.
في باقي الأحلام التي كانت تترى، زوّدني تفاصيلَ ما سأكتبه، في الحلم الأخير وبعدما كتبت كلّ ما أملاه عليّ، رأيته وقد تحوّل شجرةً كبيرةً يابسةً تساقطت كلّ أوراقها، ويجلس فوق قمتها مخلوق شرير الملامح يخنق الشجرة بذيله الطويل الملتف حول جذعها، وصوت يحذرني من عاقبة أفعالي إنْ أخبرت الناس بما رأيته في أحلامي.

أحداث هذه القصة حقيقية لا من وحي الخيال، وكذلك شخوصها، وإذا سألتم سكان مدينة العين عنها فقد يتذكر بعضهم تفاصيل مشوهة منها ويتعرفون إلى أطياف بعض شخوصها أولئك.

ملاحظة أولى:
كافة الأشعار المذكورة في بداية الفصول هي أبيات مختارة من قصائد الشاعر الهندي الشهير طاغور.

ملاحظة ثانية:
هذه الرواية مشتقة من التعاليم الهندوسية.

البداية

المكان: غير معلوم.
التاريخ: بداية خلق العالم.

“حين كان خلق الكون جديداً
وكانت النجوم تتألق
بروائها البكر
عقد الآلهة اجتماعاً في المساء
وأنشدوا: يا لمنظر الكمال
ويا للبهجة الفريدة
لكنّ أحدهم صاح فجأةً
يبدو أنّ سلسلة النور قد انقطعت في مكان ما
إحدى النجوم
قد ضلّت طريقها
فانقطعت أوتار معزفهم الذهبية
وهتفوا متضايقين:
لقد كانت النجمة الضائعة
هي أجمل النجوم”.

بعد ستة أيام من العمل الشاق والمتواصل، انتهى الآلهة من صنع العالم، وبعدما نفضوا أيديهم من الغبار ومسحوا العرق عن جباههم، دعاهم الإله براهما؛ سيد الآلهة، إلى الاجتماع للاحتفال بهذه المناسبة العظيمة.
في هذا الاحتفال الذي حضره آدم ممثلاً عن الجنس البشري، اقترح هو على الإله براهما أنْ يهدي سكان الأرض هدية ثمينة تكون سبباً بسعادة أبنائه وبناته على الأرض، أعجب الإله براهما بهذا الاقتراح، وأوكل إلى الإله فيشنو؛ المسؤول عن حفظ الحياة، مهمة صنع هذه الهدية، فكر فيشنو كثيراً في الهدية الملائمة، ثمّ استقر رأيه على خلق نهر عظيم يكون سبباً ببعث الحياة على الأرض، ولكي يضمن بقاء اتصال النهر بعالم الآلهة، صنع ضفيرة طويلة من خصلات شعر جمعها من باقي الآلهة، وربط طرفها بخصلات شعره هو وناولها آدم… قفز آدم من السماء حاملاً طرف ضفيرة الشعر وهبط على الأرض فوق قمّة جبال الهملايا، ثمّ سار حاملاً هذه الضفيرة المباركة حتى وصل إلى المحيط الهندي، وهناك ألقى بطرفها على الشاطئ، حينها قرع إندرا؛ إله المطر، طبوله، ليبدأ انسكاب المطر بغزارة وطوال 40 يوماً ومن دون توقف… تدفقت المياه المباركة من السماء متتبعةً سير خصلات الشعر الإلهية، مروراً بمئات من القرى، ووصولاً إلى المحيط الهندي، مكونةً نهر الغانج العظيم في الهند.
يقول بعض السحرة ممّن أُوتوا قدرة على الانتقال ما بين عالم البشر وعالم الآلهة: إنّ الغيرة قد دبّت في نفس الإله شيفا المدمر، بعدما شاهد البشر وهم يشكرون الإله فيشنو على صنيعته دوناً عن بقية الآلهة؛ لهذا صنع خلطة سحرية وناولها الشيطان، وبينما كان فيشنو منشغلاً بمراقبة أتباعه فرحاً وهم يحتفلون بهذه الهدية ويغتسلون بمياه نهر الغانج، استغلّ الشيطان انشغاله وغافله ليسكب على ضفائر شعره هذه الوصفة الشريرة… تدفقت الوصفة بسرعة في النهر لتلطخ أجساد البشر ممّن كانوا يغسلون أجسادهم من خطاياهم، ولأنّ خصلات شعر فيشنو هي التي حملتها إليهم، تقبلوها بتقديس بالغ على الرغم من مرارتها وقسوتها… غسلوا أجسامهم وأرواحهم مراراً وتكراراً بمياه النهر الملوّثة بهذه الوصفة السحرية الشريرة وتشربوها عميقاً… بعد نهاية الاحتفال، حملوها معهم في عروقهم بعيداً إلى كلّ بقعة وُجدت فيها الهندوسية… كانت الوصفة تتراءى لهم على شكل كلمات يقولها الإله فيشنو نفسه؛ لهذا حفظوها عن ظهر قلب ورددوها مراراً وتكراراً في معابدهم ومنازلهم، كلّ طفل رضيع كان يتمّ تعميده بهذه الكلمات القاسية: “عبادي المخلصين: لا يستوي فيكم الفقير والغني، ولا المتعلم والجاهل، ولا الصحيح والمريض، اليوم فرقتكم أربعَ فئات؛ فمن رأس الآلهة خلقت طائفة الرهابنة ليوصلوا إليكم صوتنا، ومن أذرعهم خلقت طائفة الكشاتريا الملوك، ومن أرجلهم خلقت طائفة الفايشيا المزارعين والتجار، ومن أقدامهم خلقت طائفة الشدورا أبناء المنبوذين؛ فلا محلّ لهم في رحمتنا، ووحده مَن سيعصي أوامر الآلهة ستعاد روحه في أجسادهم ليكفر عن خطاياه، لا ترحموهم، ولا تظهروا لهم الشفقة؛ فهم خلقوا ليعذبوا في الأرض”.
منذ تلك اللحظة، تفرّق المجتمع الهندوسي أربعَ طبقات عمودية، لم يكن مسموحاً لهم بالاختلاط في ما بينهم؛ فلا يجوز أنْ يتزوج أحدهم من طبقة تعلوه مقاماً، ولا أنْ يقبل طعاماً أعده مَن يصغره مقاماً، كلّ منهم مطالب بعبادة الآلهة، وكلّ مطالب باحتقار الفئات التي تدنوه مرتبةً، كما دعته تعاليم الهندوسية.
بعدما رأى فيشنو ما حملته خصلات شعره من مآسٍ لعباده على الأرض، اعتكف عن الظهور حزناً حتى عن أعين حرّاس عرشه… الأخبار القليلة التي حملتها العفاريت التي كانت تتلصّص على الآلهة من السماء تقول: إنّ فيشنو قد مات حزناً وكمداً منذ وقت وطويل، ولم يعد هناك مَن يستمع إلى أصوات الضعفاء والمقهورين وهم يصلّون طلباً للمغفرة والرحمة… يقال أيضاً إنه في يوم وفاة الإله فيشنو، استطاع الشيطان أنْ يستولي على جسده، وبمساعدة من الإله شيفا؛ ليتمكن من البقاء في السماء بجانب باقي الآلهة، ولكي يمنع من اكتشاف أمره، أصدر أوامره بصوت فيشنو الميت إلى دهروفا؛ إله النجوم، برجم أي عفريت يحاول التنصّت على عالم الآلهة بالشهب؛ فانقطعت أخبار السماء عن سكان الأرض منذ ذلك الوقت.
مات فيشنو العظيم وظلّت خصلات شعره المسمومة تلوث النهر المقدس، وكما كان الغانج مصدراً لسعادة أبناء الهند في بداية خلق الكون، أصبح اليوم مصدراً لتعاستهم وتفرقهم، ولم يفطن للسبب إلا قلّة من البشر، سأحكي قصة أحدهم في هذه الرواية.

Share Button