بسنا فلوس

في العام 2008 وبينما كنت اتجول في الشوارع الداخلية لمنطقة مارينا دبي سألني مرافقي وقد شد انتباه منظر عشرات الأبراج تحت الانشاء: متى تتوقع ان تكتمل هذه المنطقة؟ كان توقعي وقتها هو في خلال ثلاثة أعوام. كانت إجابة خاطئة وكان تفاؤلي في غير محله، فهذه المنطقة ما زالت تئن تحت وطء عمليات البناء المتواصلة للابراج السكنية والجسور والانفاق وغيرها، انها تعبير حي لتعريف ورشة عمل لا تنتهي.

نفس السينايو يعاد الأن في كل زاوية من زوايا بعض المدن الخليجية والتي تفتحت شهيتها لتتحول إلى ورشة بناء لا تنتهي وليصبح هدف بناء برج أكبر أو مركز تسوق أوسع هو شعار هذه المدن بدون معرفة العواقب من فورة البناء اللامتناهي والذي بدأت نذر مخاطره تهل على الجميع.

هناك حقوق يتمنى كل قاطن ومستثمر في أي مدينة الحصول عليها، من أهمها الأمن ومعدل الفساد وهما مؤشران هامان استطعنا ولله الحمر من تحقبق أولى المراكز العالمية فيها، تبقى هناك مجموعة أخرى من الحقوق والتي تشكل كذلك مجموعة التجارب التي يعيشها ويتمنى الحصول عليها القاطن والمستثمر في اي مدينة ومن أهمها:

1- من حق القاطن في المدن الرئيسية في الخليج ان ينعم بشوارع بدون تحويلات شهرية.
2- من حقه ان ينظر الى افق رحب لا تحجبه رافعات ضخمة.
3- من حقه ان يعتمد على ذاكرته في الوصول الى مقصده بدل الاعتماد القسري على خرائط قوقل بسبب التغييرات المستمرة في الطرق والاضافات اللامتناهية في شبكات الجسور والانفاق.
4- من حقه ان تنخفض نسبة التلوث في مدينته والتي كانت اعمال البناء المتواصلة احد اهم أسبابه.
5- من حقه ان يحصل على حديقة عامة يستطيع الوصول اليها مشيا على الاقدام.
6- من حقه الحصول على نظام مريح وعصري ومتكامل في النقل العام يسمح له بالاستغناء عن سيارته في 80% من مجمل تنقلاته
7- من حقه الحصول على موقف قريب من منزله.
8 – من حقه وجود مدرسة ذات مستوى جيد مجانية او ذات رسوم معقولة تخدم الحي الذي يقطن فيه ويستطيع اطفاله الوصول اليها من دون الاعتماد على الباصات في رحلات طويلة.
9- من حقه وجود مركز طبي قادر على تشخيص ومعالجة الامراض غير الخطرة يبعد عدة دقائق من منزله
10- من حقه الحصول على مدينة على وشك الانتهاء من خططها، مدينة تقرر ان ترتاح من المشاريع الانشائية لعدة سنوات وان يتم التركيز في خلال هذه الفترة على انهاء غير المكتمل.
11- من حقه العيش في مدينة تركز على توفير حلول تخفض من تكلفة الحياة المتصاعدة بدل فرض الرسوم من جميع أجهزتها لضخ الدماء في أوردتها.
12- من حقه ان لا يدفع أرقاما فلكية كل شهر للشركات العقارية التي تدير عقاره مقابل خدمات عادية.
13- من حقه ان يعرف ماهو العدد المستهدف لسكان مدينته خلال السنوات العشر القادمة فكمية المشاريع التي هي تحت الانشاء حاليا بالعشرات في كل مدينة وهي كفيلة بإضافة مئات الألوف من البشر الى مدن تضخمت وازدحمت حتى ضاقت بما رحبت.
14- من حقه الحصول على تجارب ترفيهية له ولعائلته لا تقتصر على التسوق تناول الطعام بالخارج
15- من حقه كمستثمر أن يعرف ان استثماراته في العقار لن تصبح عديمة الفائدة بسبب البناء المتواصل وكثرة المعروض في سوق اصبح متخما منذ فترة طويلة.
16- من حقه كمستثمر ان لا يدخل في منافسة غير متكافئة مع شركات شبه حكومية قررت ان تدخل في مجال الاستثمار تسندها القوة المالية للحكومة.
17- من حقه ان لا يجد نفسه في موقع تجاري لم يمضي على افتتاحه عدة سنوات ومع هذا اصبح فجأة بعيدا عن اعين المتسوقين لان هناك مشروعا مشابها جديدا يتم افتتاحه كل شهر.
18- من حق الفرق المسوؤلة عن توفير الخدمات العامة ومشاريع البنى التحتية ان تنال حقها في الاحتفال بما تنجزه من مشاريع لان تأثير هذه المشاريع يختفي حاليا بسرعة بسبب فورة البناء والتزايد المتواصل في اعداد القاطنين.
19- من حق هذه الفرق ان تنال هدنة لخمسة أعوام من مشاريع البناء لكي تستطيع تقييم ما قدموه وليخططوا بهدوء لمئة عام قادم .

نعم اننا نعيش في منطقة تنافسية ونعم نحن نسعى الى ان تكون مدننا الوجهة الأولى للسائح والمستثمر والباحثين عن فرص جديدة ، التنافس شيء لا مهرب منه ولكن ربما حان الوقت الان أن تأخذ دبي المبادرة وتقرر التوقف عن بناء المزيد من العقارات لمدة خمسة أعوام وأن تجرب خلال هذه الفترة التميز من ناحية الجودة والاستدامة والهدوء والتي باتت هذه المدينة بحاجة ماسة اليها. ، نعم ظهرت وستظهر مدن جديدة في المنطقة تنافس مدننا ولكننا نمتلك سمعة دولية ضخمة تجعلنا نسبق الجميع بخمسة أعوام قادمة على الأقل في المجال العقاري وحان الوقت لنرفع شعار ” بسنا فلوس ” ودعونا نركز على كيفية النهوض بمدننا لتبقى في الطليعة بدون طرح فكرة انشاء برج أطول أو مركز تسوق أكبر، لنذهب الى سنغافورة ولنتعلم منم من جديد فن صناعة وإدارة المدن. هل سترتاح مدننا وهل سينعم القاطنون بها بالراحة؟ اترك الإجابة لكم

Share Button

متى وأين يقوى الأدب؟

1- الرقابة الإعلامية: أحيانا افكر بأنه ولكي يزدهر الأدب فلابد من مسح الرقابة تماما عن الاعمال الأدبية ؟ ولكننا نعيش في مجتمعات غير متحضرة واي كلمة يكتبها الكاتب قد تؤدي الى مقتله. لو كانت الرقابة في الكويت قبل 18 عام اقوى ولو قرر الرقيب حذف اسم القبيلة من المقال لنجت هداية السالم من القتل يومها. الكويت تبقى لغزا في مجال الادب في هذه النقطة لانه وعلى الرغم من تزايد قسوة الرقابة هناك مؤخرا الا ان مجموعة من الاسماء الأدبية قد نمت وسطعت وبقوة.

2- الرقيب الغبي: ابتلينا في منطقتنا برقيب غبي بدل رقيب صارم. التعامل مع الرقيب الصارم يكون اسهل لانك ستعرف حدودك وما ينبغي وما لا ينبغي لك كتابته. مع الرقيب الغبي لا توجد مثل هذه الحدود وبالتالي فإن كل شيء بالنسبه له نسبي وخاضع للكثير من المعطيات والاجتهادات الشخصية قبل ان يقرر إجازة او منع أي نص ادبي.

3- التعداد السكاني: المقدرة على كتابة الاعمال الأدبية هو في النهاية موهبة ربانية، واي موهبة في العالم يودعها الله في نسبة قليلة من البشر ولهذا وكلما زادت نسبة البشر في دولة معينة تكون نسبة المواهب الأدبية اكبر. مصر، المغرب، الجزائر، سوريا، السعودية هي دول كبيرة سكانيا نسبيا مقارنة بباقي الدول العربية ولهذا فإن نسبة المواهب الأدبية فيها أكبر

4- التعليم: الموهبة لوحدها غير مفيدة ان لم تعزز بالتعليم والتثقيف، الكثير من المواهب الأدبية لا تبرز على الساحة بسبب انتشار الجهل في محيطها او عدم قدرتها على التطور بسبب غياب مجتمع متعلم ومثقف يفهم ويتفاعل مع ما يطرحه الاديب.

5- الرفاهية والاستقرار: أي دولة تعيش عصرا من الرفاهية يقل فيها قوة الإنتاج الادبي لأن حياة الرفاهية لا تصنع المثيرات التي يحتاجها الكاتب لصياغة رواية قوية. كاتب من الامارات يذهب الى عمله بسيارة فخمة ويعمل في وظيفة مريحة ذات راتب مرتفع ويسكن في قصر صغير وينام ليلا في امن وسلام لن يستطيع ان ينتج رواية قوية عن الفقر مثلا بمقارنة بكاتب من مصر ينحشر في المايكروباص ذهابا وإيابا من عمله المتواضع ويعيش في حي شعبي متواضع

6- التجمعات الأدبية: القاعدة بسيطة، اخلق لي مقهى مثل الحرافيش او مقهى الفيشاوي وسأضمن لك ان ينتج احد رواد هذا المقهى عملا ادبيا قويا خلال عشر سنوات. التجمعات الأدبية والنقاش المستمر فيها يعد عاملا محفزا لكي يطلع الاديب على تجارب غيره والاستفادة من خبراتهم. انا لا اتحدث عن تجمعات اتحاد الكتاب الرسمية لان هذه التجمعات تكون مسيسة للتصفيق والنقاشات السفسطائي

7- طبيعة الشعب: هناك شعوب متفتحة بطبعها، تهوى الكلام والثرثرة وهناك شعوب متحفظة بطبعها متكتمة في اظهار مشاعرها. الادب يزدهر أكثر في الشعوب الثرثارة المتفتحة لان الادب صناعته وفحواه الكلام وان لم اتعود منذ طفولتي على الثرثرة فلن يسعادني ذلك على انتاج ادبي غزير.

8- الحروب: على الرغم من مأسيها فإن الحروب تعد مناسبة دسمة جدا لإنتاج اعمق واقوى الاعمال الأدبية كما ان مادة الحرب في أي عمل ادبي تعد إضافة جاذبة للكثير من القراء. لو لاحظنا فإن الإنتاج الادبي حول الحرب الاهلية هو ما ابرز الادب اللبناني في مجمله سابقا والإنتاج السوري القادم حول الحرب السورية وتوابعها سيكون الأقوى عربيا في المستقبل.

9- صناعة النشروالتوزيع: اقوى دور النشر في العالم العربي كانت في لبنان ومصر ولهذا فإن الاديب المصري واللبناني كانا يتمتعان ولعقود طويلة بميزة تدوين ونشر أعمالهم ووصولها للقاريء والكثير من الاعمال من بقية دول العالم العربي ماتت في تلك الفترة على الرغم من جودتها بسبب عدم نشرها او نشرها على شكل ضيق.

10- التنوع الثقافي: الدول التي تحتوى على خليط مختلف من الثقافات المختلفة تصبح قادرة على انتاج نوع افضل واقوى من الادب الهجين والذي يرث افضل واقوى الصفات من مختلف الثقافات المكونة له. تبقى مشكلة امتزاج هذه الثقافات على ارض الواقع هو المانع من الاستفادة من هذه الميزة.

Share Button

الذكاء الإصطناعي

عند دخولي الى مطار ابوظبي مؤخرا في طريقي الى رحلة دولية خطرت في بالي فكرة غريبة وانا اعبر منصة فحص الجوازات الالكترونية، فلقد لاحظت انه لا يوجد هنا غير موظف واحد في ركن منزو يتدخل عند الحاجة فقط بينما تم استبدال بقية الموظفين ببوابات الكترونية، تضع جوازك في الماسح الالكتروني ثم يفتح لك باب الدخول، تتعرف عليك الكاميرا المثبتة واذا كان كل شيء على ما يرام فستكتمل هذه العملية خلال ثوان معدودة. كنت اتسائل، اذا تم استبدال وجود موظفي الدولة في واحد من اهم مرافقها الحساسة بجهاز اليكتروني ذكي فما الذي يمنع من استبدال كل شيء آخر في العالم بأجهزة شبيهه؟.

أعجبتنى الفكرة وبدأت التسكع داخل المطار وتخيل ما يمكن استبداله من البشر بأجهزة ذكية. مررت بنقطة التفتيش وهناك كان يوجد موظف عمله أن يخبر المسافرين بوضع جميع متعلقاتهم في جهاز التفتيش، هذا موظف من السهل استبداله بلوحة ناطقة تخبر المسافرين بنفس الرسالة. عبرت الجهاز فواجهت في نهايته رجل أمن ابتسم لي عندما لاحظ ان الجهاز لم يئن ولم يبح بشكه في احتمال اخفائي تحت ملابسي لغرض ممنوع، حسنا هذا موظف اخر يمكن استبداله بآلة فحص دقيقة مثل التي نراها بالمستشفىات والقادرة على قراءة ادق تفاصيل جسدك ومعرفة كل ما تخفيه ملابسك. عبرت جهاز الفحص ووصلت الى بائعة العطور الفاتنة، للأسف يا سيدتي فحتى فتنتك لن تمنع العلم من استبدالك بألة تبخ عطورا جذابة امام المسافرين ثم تعرض لهم العلبة امامهم مع سعرها. ذهبت الى محل الصرافة وهناك كانت الإجابة بسيطة جدا، نعم هذا شخص يمكن استبداله بألة تضع فيها نقودك ثم تضع العملة المراد التحويل لها، من فرط بساطة هذه الفكرة استغربت انها لم تطبق الى الان.

ذهبت الى قاعة الاستقبال في صالة الانتظار و بدأ أفكاري الخبيثة بإستبدال كل البشر من حولي بألات مع أسباب منطقية تحتم هذا التغيير، موظفة الاستقبال لم تبتسم لي ولكنها لو كانت ألة فلا شك انها سبتسم بل وانها ستمتلك القدرة على تحيتي بإسمي. النادل الذي أخذ وقتا طويلا ليشرح لي قائمة الطعام لو تم إستبداله بألة فكان سيعرف فورا إنني وفي هذا الوقت من النهار أفضل أن اتناول بيضتان مسلوقتان مع بعض الخضار وكوب إسبريسو بدون إضافات. هذا النادل الألة في المطار سيكون على صداقة مع النادل الألة في المطعم الذي أتردد عليه يوميا والذي سيخبره بما أحب تناوله في مثل هذا الوقت. سأخرج من الصالة وسأذهب الى طائرتي وستكون المضيفة عبارة عن سماعة تضعها في اذنك لتحييك انت لوحدك بإسمك وبلغتك الام و تتمنى لك رحلة رائعة مع اقتراحات بتسجيلات صوتية ومرئية تناسبق ذائقتك.

خلال سفرتي القصيرة كانت مخيلتى قادرة على استبدال تسعة اعشار البشر الذين قابلتهم بألات نشيطة ونهمة للعمل قادرة على تفهم رغباتي وتلبيتها بطريقة ترضيني، آلات لا احتاج الى تعلم لغة جديدة للتفاهم معها لانها ستتفاهم معي بلغتي الام حتى لو كنت أتحدث بلغة ال ليمبرج ( لغة لا ينطق بها غير شخصان في جنوب المحيط الهادئ )

اعود من سفرتي وانا سعيد بمقدرة مخيلتي على استبدال البشر بالآلات والفوائد الجمة التي تنتظر العالم من غزو الذكاء الاصطناعي لحياتنا قريبا، اصل الى منزلي فيستقبلني إبني الأكبر بدفء وحب وهو يحتضنني، اه كم تمنيت لو كان ابنى قادرا على فهم الرياضيات بشكل افضل، ولكن مهلا ماذا لو تم استبداله بألة؟ ألن يستطيع وقتها ان يحل كل مسائل فيثاغورس لوحده بل وسيكون قادرا على اسعادي وهو يعرض معادلة خلق الكون منذ لحظات الانفجار الأولى؟

تقابلني زوجتى، انها مبتسمة كعادتها ولكنني أتمنى لو كانت ابتسامتها اكبر، لو كانت ألة فأسكون قادرا على ضبط ابتسامتها بالقدر الذي يرضيني. ابني الصغير ينظر حوله من دون ان يحيني باحثا عن الحلوى التي وعدت بجلبها من سفرتي، هذا … الصغير لو كان ألة لقفز فرحا الى حضني.

استلقيت لاخذ قسطا من الراحة وغفوت وهناك حلمت بأن عائلتي قد قررت استبدالي برجل ألي قليل التذمر كريم في اظهار عاطفته ومحبته، لا يسافر كثيرا ولكن إن اضطر للسفر فسيحضر لهم الهدايا في كل مرة ليظهر لهم مقدار اهتمامه بهم. صحوت فزعا من نومي وأنا انفث عن يسارى ثلاثا وجالت في خاطري فكرة اخرى، غدا صباحا سأرسل رسالة الى إدارة المطار محتجا على قيامهم بإستبدال موظفي الجوازات ببوابات العبور الذكية.

Share Button

مصر التى في خاطري

تواجهني مشكلة عويصة في التعامل مع سائقي سيارات الأجرة في مصر فالسيارة تكون في حالة يرثى لها وعداد الأجرة لا يعمل في اغلب الأحيان، واذا كان يعمل فهذا لا يعني التزام السائق بالمذكور على شاشته، والسائق لن يقول لك انه لا يعرف الوجهة التي ترغب بالوصول اليها وستكون تحت رحمته دائما في تقدير تكلفة أي رحلة. السائق نفسه يكون في حالة نكد شديد لا يلام عليها بسبب الازدحام الشديد وعدم الالتزام بقانون السير من الجميع، وسيحاول فتح أي موضوع للحديث معك طوال الرحلة محاولا اكتشاف أسباب زيارتك وعارضا خدماته اللامتناهية ابتداءا من توفير مكان جيد للسكن ومكان اخر للسهر بالإضافة الى خدماته العادية كسائق اجرة مستعد لأن يأخذك الى اخر الدنيا وبالتكلفة التي ترضى الله والتى تحمل أكثر من تفسير.

كل هذه المشاكل جعلت من تجربة استخدام سيارة اجرة في مصر تجربة كارثية غير مستحبة، ولكن دخول خدمات كريم واوبر قضى على هذه المشاكل فورا وبطريقة سحرية. فبقدرة قادرعزيزي الراكب أصبحت تعرف تكلفة رحلتك قبل الصعود الى السيارة واصبح طريق رحلتك واضح لك وللسائق بفضل الخرائط الموجود في تطبيق اوبر وكريم. اغلب السيارات التي تخدم في هذه المنظومة نظيفة وحديثة نوعا ما كما وان اغلب السائقين فيها من جيل الشباب المتعلم ممن يطبقون سياسة الصمت المريح طوال الرحلة . انقلاب مثير وجميل في مجال المواصلات العامة سمحت التكنولوجيا بادخاله في حياة المصريين وملايين السياح فيها. لقد تم حل مشكلة عويصة يا سيدي الرئيس

بالمقابل واثناء زيارتي لمقر الهيئة العامة للكتاب صفعتني البيروقراطية الحكومية بكل قوة وارجعتني الى مصر المشلولة بقيود البطالة المقنعة وسوء الخدمة والمحافظة على الممتلكات العامة. حيث كان في استقبالي اربع سيدات وقورات وظيفة الأولى استلام الكتب التي اقتنيتها بينما وظيفة الثانية كتابة الفاتورة يدويا والثالثة تخزين نسخة من الفاتورة في الأرشيف والرابعة المحاسبة وفوق هذا كان هناك رجلا مسؤول عن هؤلاء السيدات اللطيفات كانت وظيفته في البداية ان يلقى خطبة دينية عليهن لقتل الوقت بما ان عدد الزبائن كان محدودا وقتها وتحولت وظيفته فور وصولي اليهن للحساب الى مظهر المسؤول الصارم الذي اخذ يبحث في الأرشيف ويسأل الموظفات عن فاتورة مفقودة. موضوع تعيين خمسة موظفيين للقيام بوظيفة واحدة مشكلة قديمة معروفة ولكن ما ألمنى كثيرا هو انعدام مستوى النظافة في المكان بشكل عام وتراكم الغبار فوق اغلفة الكتب والترتيب المهمل لها ناهيك عن عدم وجود أرشيف يدوي او الكتروني يدلك على الموجود والمفقود من أطنان كنوز المعروضات هناك بالرغم من وجود أربعة موظفين لا يقومون بأي عمل بالواقع. هذه المشكلة القديمة يا سيدي الرئيس لم تجد حلا الى الان.

سيدي الرئيس، مصر التي في خاطري باستطاعتها النهوض من جديد لو نجحت في نقل كافة الخدمات الخاصة والحكومية الى مجال الخدمات الالكترونية وعندها ستزيد نسبة الشفافية وسيرتفع مجال رضى المستخدم وستصبح الخدمات المقدمة افضل وارخص وبعيده عن البيروقراطية كما سيمكن استغلال جيوش الموظفين المقدمين لهذه الخدمات يدويا حاليا في أماكن أخرى وبنفس التكلفة. يمكنك طلب المساعدة في هذه المهمة الى حكومات الخليج المتقدمة جدا في هذا المجال وطلب المساعدة ليس عيبا فمصر قدمت خدماتها الى الخليج العربي بعد ثورة 52 وأوفدت جيوش المعلمين والخبراء وآن الآوان ليرسل الخليج جيوش خبراءه الى مصر.

هل أرى ثورة شبيهه بالتى أحدثها وجود كريم و اوبر بكل مكان في مصر؟ أتمنى ذلك قريبا وضمن خطة مصر 2030 والتي حددت عام 2020 لتحقيق هذا الحلم وأترك الإجابة الى فخامة الرئيس.

Share Button

الدولة السعودية الرابعة

فور نزولي الى ارض مطار الرياض احسست بالفارق الكبير مقارنة بأخر رحلة لي لهذه المدينة المقربة الى قلبي، كان بانتظارنا موظف مبتسم يرحب بقدومنا ويرشدنا الى اقرب منفذ لتدقيق جوازات السفر، نفس الابتسامة والترحيب تكرر من موظف تدقيق الجوازات ومن ثم كانت المفاجاة الأخيرة بوجود سيدات يعملن امام أجهزة التفتيش الجمركي، لأول مرة وخلال 14 عام منذ تعرفي على المملكة العربية السعودية الحظ وجود سيدة تقوم بوظيفتها في مكان عام. الأجواء العامة في مطار الرياض عادت طبيعية ومرحبة وهي أول إشارة سينظر لها الزائر لأي مكان جديد.

في الطريق الى الفندق تحدثت مع سائق اوبر السعودي الجنسية عن مشاريع المترو تحت التنفيذ في كل مكان وعن قلة الزحمة المرورية بالرياض مقارنة بالسابق بعد فتح عدة طرق محورية مهمة جديدة وحملات مكافحة المقيمين غير الشرعية, ابدى سعادته بالتغيرات التي يلمسها يوميا والمكتسبات الجديدة التي سينالها قريبا مع انتهاء العديد من المشاريع المستقبلية.
في الفندق كانت المفاجاة الثانية بوجود صف كامل من السيدات السعوديات خلف مكتب الاستقبال، وهذا تطور مهم في الخليج لا يوجد شبيه له الان الا في المملكة العربية السعودية من حيث تمكين المرأة بوسائل متعددة وفتح الأبواب الموصدة بثبات وإصرار في القطاع السياحي المهم والجاذب للمستثمر الأجنبي.

مشاهداتي في العاصمة الرياض لن تضيف شيئا جديدا الى واقع ما يجرى من تغييرات، اغلب من قابلتهم كان يشيد بالواقع الحالي ويستبشر بمستقبل افضل على المدى القصير والطويل، تكلفة الحياة ما زالت منخفضة ومعقولة، المطاعم الغالية في شارع التحلية ما زالت تعج بزبائنها، المراكز التجارية عادت اليها الحياة الطبيعية بعد فتح أبوابها للعزاب، خفت حدة الحياة الطبيعية في الخارج بعد تهذيب مهام الأجهزة الدينية، مستوى القيادة في الطرق تحسن كثيرا بعد تفعيل أجهزة الرصد المروري المختلفة وربما كان السبب اللطافة التي اضافتها المرأة أخيرا الى الشارع بعد حصولها على حق القيادة. تمكين الشباب يجرى بوتيرة سريعة جدا في كل مكان، وشعار السعودية للسعوديين يطبق بشكل تدريجي مدروس وصحي.

كنت مشغولا مؤخرا بقراءة خطة السعودية 2030 وبرامجها المحورية السبعة واهم ما تصبو الى تحقيقه وخلصت الى أن الأمير الشاب محمد بن سلمان وفور نيله شرف ثقة الملك سلمان بن عبد العزيز وشعب المملكة بولاية العهد قد شرع في اطلاق خطط ضخمة ستقود الى نشوء الدولة السعودية الرابعة وهي دولة ترتكز على المكاسب والارث الضخم الذي جعل السعودية اليوم الدولة الأهم اقتصاديا وسياسيا وعسكريا في المنطقة ولكن ما يميز الدولة السعودية الرابعة هو هدفها خلع عباءة الماضي وترسابته السلبية المتراكمة وسبيلها في ذلك التركيز على المواطن السعودي أولا وتحسين مستوى الحياة داخل المملكة نفسها ولكن بطابع سعودي جديد وخاص من الصعب تكراره في باقي دول الخليج لصالح السعودية بسبب التعداد السكاني والمساحة والتنوع المناخي والجغرافي للمملكة.

من مصلحة المواطن السعودي والمنطقة والعالم كله ان يتم توفير كل الدعم المطلوب لتنفيذ رؤية الأمير الشاب محمد بن سلمان وضمان تحقيقها، فالتاريخ حكى لنا ان وجود دولة سعودية قوية ومتسامحة هو مطلب ضروري لهذه المنطقة من العالم والواقعة فوق فوهة بركان تنتظر من يحركها لتنفجر. هل تنجح رؤية محمد بن سلمان في إنشاء الدولة السعودية الرابعة وبالشكل المخطط له؟ أتمنى ذلك ونترك الإجابة للتاريخ ليحكم عليها

Share Button

رأس ميدوسا

” سوف ندمر الصحوة اليوم، لأننا نريد أن نعيش حياة طبيعية تترجم مبادئ ديننا السمح وعاداتنا وتقاليدنا الطيبة، ونتعايش مع العالم ونساهم في تنمية وطننا والعالم”. الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية

تصريحات مهمة جدا أعلنها الملك القادم للمملكة العربية السعودية التي تعتبر المرجعية الأولى للمسلمين حول العالم، فعندما يعلن ولي عهدها ان الصحوة لم تكن الا خطأ جسيم ووحش انقلب على مالكه فلا بد من الانتباه الى مثل هذه التصريحات واخذها بعين الحرص ودراستها بعيدا عن العاطفة فمن اكتوى من لدغة الافعى هو الوحيد القادر على وصف الألم الناتج عن هذه اللدغة وهو المدرك لخطورة امتلاك حية ناعمة المظهر سامة الانياب.

ان الايدلوجية الدينية اخطر بمراحل كثيرة من أي ايدلوجية أخرى ابتكرها الانسان مثل البلشفية والنازية والقومية والشيوعية وغيرها فمثل هذه الايدلوجيات وبمرور الوقت تموت فور وفاة رأسها سواء كان الرأس قضية قومية او سياسية او دولة معينة او حتى شخص مفرد بعد اقتناع المجتمع بفشل الفكرة بعد وقت قد يطول وقد يقصر.

فالايدلوجية البلشفية الشيوعية الاشتراكية والتي نادت بتحقيق المساواة بين فئات المجتمع والتي كان اكبر انجاز لها قيام الاتحاد السوفيتي ودعمه لنشر الفكر الشيوعي الاشتراكي حول العالم انتهت بعد ان تسببت بتأخر وتخلف الاتحاد السوفيتي وحلفاؤه حول العالم وفور انهيار الاتحاد السوفيتي انتهت الاشتراكية هناك تقريبا وحلت محلها الايدلوجية الرأسمالية فورا وتتابع سقوط الاشتراكية حول العالم. ان موت الرأس هنا تسبب بموت الفكرة الأساسية بحد ذاتها لأن أطرافها لم تكن تمتلك القوة الكاملة للنمو في أماكن جديدة وماتبقى اليوم من الاشتراكية هو في الحقيقة خليط مهجن من عدة ايدلوجيات مختلفة ولكنها لا تمتلك صفاء الفكرة الاصلية.
اما الايدلوجية النازية الاوربية والمبنية على العنصرية والتشدد ضد الأعراق الأخرى وكذلك على علوّ اجناس بشرية معينة على أجناس أخرى فقد وصلت الى قمة مجدها على يد هتلر والذي نجح في تكوين امبراطورية نازية كادت ان تحكم العالم ولكنها انتهت فورا من الوجود بهزيمة وانتحار قائدها هتلر عقب هزيمته في نهاية الحرب العالمية الثانية.

وهكذا الشأن مع مختلف الايدلوجيات الانسانية والتى تصعد وتخبو على مر الزمن لانتفاء الحاجة لها بسبب قيامها على اهداف و مبادئ واضحة ومرئية عكس الايدلوجيات الدينية اولتى تقوم على الماورائيات اي ما قبل الحياة وما بعد الموت ولهذا وبما ان الانسان يكتنفه الفضول دوما للحصول على اجوبة تخص مجال الماورائيات فإن الايدلوجية الدينية ستكون حية ونشطة وحتى مع قطع رأسها لأن اطرافها تستطيع النمو من جديد وبسرعة لتصبح رؤسا جديدة تماما في اماكن مختلفة.

ما حصل في السعودية بقطع رأس الافعى المسماة بالصحوة الاسلامية هو خبر جيد وايجابي الا انه يحمل في طياته مخاطر خفية من تحول اطراف الصحوة والمنتشرة في دول العالم الى رؤوس جديدة تقودها مصالح سياسية او اقتصادية او قومية خفية فهناك بوادر على ان الكويت تعيش حالة غريبة من نشاط الصحوة فيها تهدد النسيج الاجتماعي فيه وتنذر بتحوله الى مجتمع منغلق معادي للغريب كما ان الامارات وعلى الرغم من انفتاحها منذ تأسيسها الا انها تعيش في بدايات خطر تشكل رأس صحوة جديدة قد يشكل خطورة على مشروعها للنمو الحضاري والفكري. دول اخرى مبتلية بكوارث سياسية مثل فلسطين وسوريا ولبنان تحولت بالفعل الى رؤوس صغيرة للصحوة الاسلامية وبات الكثير من افراد مجتمعها مقتنعا بضرورة محاربة المختلف عنه داخل وطنه.
مصر استطاعت النفوذ من هذا الفخ عندما تنبه الشعب والقيادة العسكرية الى ضخامة خطر تحويل مصر الى دولة صحوية لان بلد بحجم وضخامة مصر قادرة على تهديد السلم الاجتماعي في العالم اجمع ان سمحت بنمو افكار وتشريعات الصحوة.

ان خطر الصحوة الاسلامية هو اعتمادها على النقل والتطبيق الاعمى لما هو مذكور في الكتب التاريخية من دون محاولة التحقق من صحة ماذكر فيها ومن دون ادراك خطورة تطبيق افكار قديمة على المجتمعات الحديثة كما ان خطورتها تنبع من رفضها للحوار مع مخالفيها وتبنيها لسياسة تطبيق الافكار بالقوة الجسدية عن طريق الارهاب وتنفيذ عقوبات شرعية غير انسانية وغير ملائمة او عن طريق الارهاب الفكري عن طريق رمي مخالفيها بتهم الكفر والزندقة والالحاد وتحريض العامة ضدهم.
الصحوة الدينية لن تموت بعد قطع رأسها بل إن الرأس المقطوع يشكل خطرا مميتا بحد ذاته تماما مثل رأس ميدوسا في الاساطير اليونانية، لا بد من استخدام سلاح العلم والتحضر في مواجهتها للتأكد من انعدام خطورتها على الأجيال المقبلة.

Share Button

الراقل دا مش في الطابور !

عندما يدخل الفقر من الباب، سيتبعه الفساد عبر النافذة، إن أردتم إغلاق هذا الباب في يوما ما، فبادروا إلى إغلاق نوافذكم من الأن. هذه قصة حدثت مؤخرا ولكن بدايتها كانت قبل عشرات السنين.

في نهاية رحلتي الأخيرة إلى القاهرة وأثناء انتظاري في نقطة التفتيش الأولى بمبنى المطار تلقفني ” المسلكاتي” عندما شك في ملامحي الخليجية واقترب متسائلا ” البيه على السعودية؟”، أجبته ” لا، الاتحاد على أبوظبي”.

قبل أن استرسل في الحديث دعوني اتوقف قليلا لأشرح لكم عن معنى المسلكاتي (وهي لفظة من اختراعي ) وما هي وظيفته في مصر، فالمسلكاتي شخص يستطيع تسليكك لتمر فوق النظام عن طريق معرفته للطرق الملتوية الغير القانونية اما عن طريق عمله النظامي في المنطقة التي تود القفز فيها فوق القانون او معرفته الوثيقة بأحد العاملين هناك، والمسلكاتي قد تصادفه في كل انحاء مصر العظيمة، اذا اردت الدخول الى مطعم راقي ولكنك لا تملك حجز مسبق فهناك مسلكاتي سيوفر لك طاولة في مكان مميز، اذا اردت الدخول الى ملهى مزدحم ولكنك بمفردك ونظام الملهى يستدعي وجود رفيقة لك فهناك المسلكاتي الذي سيضمن لك الدخول والجلوس في طاولة الفي أي بي. اذا اردت استخراج وثيقة رسمية ولكنك لا تملك الأوراق المطلوبة او لا تعرف النظام فالمسلكاتي سينتظرك على أبواب المصلحة الرسمية ليأخذك من يدك وليلف بك السبع لفات في كل دهاليز المكان وستسلمه قدرك مستسلما وانت تراه يقفز هنا وهناك يخترق الصفوف ويدخل الى المكاتب من الأبواب الخلفية وهو يحاول بجهد وإخلاص ان ينجز مهمتك.

هناك مسلكاتي في كل زاوية من زوايا مصر مستعد لان يشعرك بأنه يمتلك هذا المكان وانه البوصلة السحرية للمتاهة التي انت على وشك الدخول اليها، وبما ان مطار القاهرة احد هذه الدهاليز فإن هناك مسلكاتي او لأكون اكثر دقة عدة مسلكاتيه منتشرين في مداخل المطار ينتظرون الوجوه الحائرة لينتشلوها من حيرتها وليضمنوا لها دخول آمن وسريع. الان وبعد ان بت تعرف من هو المسلكاتي وما هي وظيفته فلزم علي ان اخبرك بأن هذا المسلكاتي لا يقوم بوظيفته لوجه الله، حاشا لله، فهو يعرف ان ما يقوم به هو مخالفة شرعية ولهذا فهو يرفض ان يكون اجره نظير عمله دعوة بظهر الغيب أو ابتسامة شكر من مسلم لأخيه المسلم، فالمسلكاتي انسان له احتياجات معيشية مثل المئة مليون انسان في مصر ولهذا فإنه يأخذ اجرا نظير خدماته وهذا الاجر غير محدد او موثق كما انه قابل للمساومة حسب شطارتك وحسب تقديره.

نعود لقصتي مع اخر مسلكاتي قابلته في مطار القاهرة اثناء مغادرتي، فعندما اقترب مني هامسا متسائلا عن الطائرة التي سأقلع فيها مبتعدا عن ارض المسلكاتين فكل غرضه أن يتأكد من انني مواطن خليجي لأن ال.. قد يتشابه عليه فينتهي به الامر محدثا احد الاخوة الأسيويين الذين يشبهوننا في نظر الاخوة المصريين وقد يهز هذا الاسيوي رأسه كعادته مع ابتسامه خبيثة تعنى ” انني لا اعرف ماذا تريد، فلترحل عني اذن ايها اللعين” ولهذا ومنعا للإحراج فإنه يسألك لكي يتأكد من انك العميل المطلوب وفور ان تجيبه بالإيجاب فإنه ينظر اليك بأسى ليوحي لك بأنك قد صعبت عليه وهو يرى ابن العز وقد انقلب حال الدنيا وبات يقف في صف طويل منتظرا دوره، نظراته تخبرك ” مكانك مش هنا يا باشا، مكانك فوق فوق ” وفي هذه الحالة فإنك ابن العز من المفترض بك أن تعيش الدور وأن تقنع نفسك بأنه من المعيب في حقك أن تقف في طابور يقف فيه العامة والرعاع وان هذا الشيء مسيء للسمعة في مصر ولهذا وعندما تراه يمد يدك ليسحب شنطتك الثمينة فمن المفترض بك ان لا تجزع وانت ترى هذا الغريب يسحب متاعك ويركض مبتعدا، فهذا هو المسلكاتي الأمين والذي تستطيع ان تسلمه ابنك لو اضطررت ان تعبر معه خط بارليف وانت متأكد من انه سيحقق مهمته وسيظفر بالنصر الأكيد. كل ما عليك ان تسرع الخطى محاولا اللحاق بالمسلكاتي وان تفهم كل نظراته وتنفذ ما تقوله لك، ستجده وقد اخترق الصفوف كما اخترق الجيش المصري العظيم صفوف العدو في 6 أكتوبر، لا تخف شيئا فأنت في حماية المسلكاتي وعبورك فوق خطوط الأعداء أمن تماما، وعندما تجد نفسك فجأة وقد وصلت الى نقطة التفتيش في ثوان معدودة وتراه قد مد يده قريبا منك فلا تخطى وتظن انه يمد يده مودعا، بل عليك ان تمد يدك مسرعا بالأجر المتوقع ويستحسن ان تكون كريما معطاءا لأنه قد سمح لك أن تعيش دور المهم الذي يستطيع القفز فوق طوابير الانتظار، وعندما يهمس لك “ما تنساش الراقل” ، فمعناها بأنه ولكي يسهل المرور فإنه مضطر كذلك أن يعطي احد الأشخاص المسؤولين نصيبه من العملية ليسهل مرورك، وانت لا تعرف هذا “الراقل” ولكن لابد من انه شخص حقيقي وموجود والا فلما سيخدعك صديقك المسلكاتي ويوهمك بأنه سيأخذ نقودا لا تخصه ليعطيها لشخص غير موجود!
الموضوع غير منطقي ولهذا من المستحسن ان تمد يدك ثانية وأن تعطيه اجر هذا الشخص المفترض وجوده وبهذا تضمن بأن العمليةقد تم تأمينها من جميع الزوايا.

لا اعلم ما الذي جرى لحظتها ولكن في اللحظة التي قمت بدفع اجرة الشخص الافتراضي وفي اللحظة التي كنت على وشك دخول التاريخ وعبوري لنقطة التفتيش الأولى في المطار متخطيا جموع المنتظرين حتى تفاجئت بصراخ احدهم ” الراقل دا مش في الطابور، الراقل دا مش في الطابور ” وعندما تكرر الصراخ التفت لأرى من سبب هذه الضجة فرأيت شخص مسن ابيض شعر رأسه ناظرا الى بغضب السنين المتراكم ضد المسلكاتي وكل من يسلك له، وبدأت الجماهير التي تخطيتها في الهمهمة وهي تأيد كلام هذا الانسان المشكلة، وفجأة اقترب مني الضابط المسؤول وهو يخبرني ” ارجع مكانك يا محترم”، طبعا كلمة محترم في هذا الموقف تعني العكس تماما، ولكنني شعرت بقوة خفية لأنني اعلم بأن هذه مجرد تمثيلية متفق عليها وان المسلكاتي يمسك بزمام الأمور وسيتدخل في اية لحظة ليخلصني من انياب النظام. تلفت يمنة ويسرة لأبحث عن البطل المغوار ولكنه غاب كإبرة في وسط كومة قش، تركني وحيدا مجابها النظام ومحاربا عقودا طويلة من الزمن احتاجته البشرية حتى اخترعت نظام الطابور لخدمة الحشود بشكل متساوي، وانا مجرد شخص لا امتلك أي نفوذ في الواقع انا مجرد انسان ظن بمساعدة المسلكاتي ان القانون والنظام والتطور الحضاري البشري وكل التعابير الخاصة بالعدل والمساوة مجرد تفاهات تطبق على غيري فقط.

تركني ابن الملعونة لأواجه كل هذا لوحدي مشلولا عاجزا عن التصرف ولكنني مرتعب من فكرة أخرى طرأت فجأة على بالي، لقد اختفى ابن الذين مع امتعتي، كل ما املكه بحوزة هذا الغريب عني تماما والذي اقتنعت بأنه مخلص مجد امين في عمله، مع انني في قرارة نفسي متأكد انه مجرد لص متسلق . هربت هروب الشجعان من امام الحشود الغاضبة وانا أحاول تفادي نهاية المتنبي عندما ذكره غلامه بأنه القائل ” الخيل والليل والبيداء تعرفني” لحظة فراره من جنود فاتك الأسدي. هربت بهدوء حتى لا اكسر هيبتي امام الجماهير، فمن المعيب ان يهرب الملك مثل العامة، هناك طريقة فريدة في الهروب لا بد وان يتقنها أبناء الاكابر لتفرقهم عن العامة حتى في لحظات الهروب.

في اثناء هروبي او فلنقل ابتعادي عن مسرح الجريمة امسكتني يد حانية وعندما التفت وجدت صديقي المسلكاتي وهو ينظر الي مبتسما، عاد كالعنقاء من وسط رماده لينقذني من جديد ولفرط سعادتي لم اغضب لأنه هرب وتركني وحيدا في المعركة او لأنه فر مع امتعتي، لقد سامحته فورا لان خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب وهكذا سرت من جديد خلف الجنرال مسلكاتي لنبحث عن بوابة جديدة في الدخول بعيدا عن ذلك المسن النكدي والذي كلفنا الكثير من الوقت والمال وجاء الى المطار وهو في حالة نفسية سيئة وتظاهر بأن الحياة في الخارج تسير على نمط ادق من الساعة السويسرية ولهذا غضب من فعلتنا المخزية عندما عطلنا هذا النظام، كلانا يعرف بأن الساعة تسير بالمقلوب بل بالمشقلب في الخارج وبأن ما فعلته لا يعد عيبا او منكرا لأنه سنة الحياة ولهذا لن اغفر له ابدا تصرفه الغريب والغير معقول ابدا. لم يخب ظني في المسلكاتي، فأنا اتعامل مع خدماته منذ سنوات طويلة واعرف مقدار تغلغله في كل مفاصل الحياة، بدرهمك المنقوش ستصل الى مبتغاك قبل غيرك ولقد وصلنا وعبر بوابة أخرى لا يوجد فيها عجوز نكدي منتظرا دوره، كان جمهور الانتظار هنا مطيعا لينا وهو يراني اقفز امامهم واسرق دورهم وادخل الى جهاز التفتيش قبلهم وهم ينظرون الي بصمت مطبق وكأنني غير موجود، نجح المسلكاتي وليمت ذلك العجوز النكدي في غيظه.

عبرت جهاز الفحص واستلمت امتعتي واختفى المسلكاتي فجأة وكما ظهر فجأة باحثا عن فريسة جديدة مستعدة ان تخترق النظام بمعيته نظير مبلغ مالي، لتدق مسمار جديد في نعش الحضارة والرقي. ولكن عبوري هذه المرة كان مختلفا عن المرات السابقة، لم احس بطعم الفوز ولم احس بأنني شخص مميز جدا وبأنني استطيع ان اشترى النظام بأموالي، لقد علقت صرخات ذلك العجوز في اذني ” الراقل دا مش في الطابور” ، تمزقني من الداخل وتسيل دماء خجلي وانا اعرف بأنني قد ارتكبت جريمة قبل قليل او جنحة او فلنسمها بما نشاء، ولكن فلنتفق على انه اختراق سافر للنظام والقانون وانني قد فعلت ذلك متعمدا ومن دون حاجة ضرورية غير انني لا اريد ان اقف لمدة دقائق معدودة في طابور انتظار. ” الراقل دا مش في الطابور” صرخة عظيمة من رجل عظيم مل من امثالي ومن أمثال المسلكاتي وهو يرانا يوميا نحاول القفز فوق الجميع ونسرق الفرص من موائد المستحقين. ” الراقل دا مش في الطابور ” صرخة رجل شريف يحاول فيها ان يوقظ مصر من سباتها ليعود فيها النظام الذي اختفى من شوارعها منذ فترة طويلة، صرخة ضد كل فوضى في انحائها، ضد المناوشات في الشوارع، ضد الغش المستشري، ضد استغلال الغني لأمواله ليضمن معاملة مميزة، ضد الكذب في كل شيء ومن اجل كل شيء، ضد أعداء مصر في الداخل، أريد ان يتوقف طنين جملتك في اذني ” الراقل دا مش في الطابور ” فسامحني يا سيدي.

Share Button

غربة أشجار النخيل

ماهي الغاية من زراعة الأشجار في مدننا الصحراوية؟ لماذا تتكبد خزانة الدولة مبالغ ضخمة من أجل توفير مياه الري لهذه الأشجار في بيئة شحيحة فيها الموارد المائية؟ اعتقد بأننا نتفق بأن اهم هذه الغايات هو توفير الظل من اشعة الشمس الحارقة للمشاة والسيارات وصد الرياح المحملة بالاتربة وتوفير ملجأ للطيور المحلية والمهاجرة بالإضافة الى توفير مصدر جديد للاكسجين في رئة مدننا المعطوبة بسبب الغازات المنبعثة ليل نهار من عوادم السيارات.
هل تستطيع النخلة مقارنة بباقي الأشجار توفير هذه المتطلبات؟ لا اعتقد ذلك، فتشكيل جذع النخلة وتاجها الأخضر لا يسمح لها بحجب الرياح أو توفير مساحة كبيرة من الظل كما ان الطيور لا تقطن سعفها ولن يبقى الا موضوع تنقية الهواء وهي الخاصية المشتركة التي وهبها الله لفصيلة النبات بشكل عام ولا اعلم ان كانت هناك دراسة علمية توضح حجم امتصاص كل شجرة لغاز ثاني أكسيد الكربون وتحويله الى الاكسجين ولكنني اعتقد بأن المقارنة لن تكون لمصلحة النخلة مقارنة بباقي الأشجار المحلية المعمرة الأخرى.

تبقة نقطة مهمة خطيرة أخرى يحسبها البعض لمصلحة النخلة بينما هي في حقيقة الأمر تشكل خطرا كبيرا على الصحة العامة وهو انتاج أشجار النخيل المزروعة على جنبات الشوارع من التمور حيث ان محبي أشجار النخيل يرون ان انتاج النخلة من التمور هو دافع مهم للاستمرار في زراعتها في المدن ولكنهم يتناسون ان هذه التمور تكون متشربة بالغازات المميتة المنبعثة من الوف السيارات التي تمر يوميا امام هذه الأشجار فهذه التمور لا تعد صالحة للاستهلاك الادمي او الحيواني، بالإضافة الى وجود خطة لري الأشجار بالمياه المعالجة مما يفاقهم كمية المخاطر المرتبطة بتناول ثمار الأشجار المرزوعة في الأماكن العامة.

بالإضافة لكل هذا فإن تكلفة الراعية لشجرة النخلة تعد اضعاف تكلفة العناية بالاشجار الاخرى فالنخلة تحتاج الى كمية مياه وتسميد مضاعف مقارنة بباقي الأشجار كما انه لابد من تقليم سعفها كل سنة والقيام بعملية التلقيح يدويا وتنظيف الساحات والشوارع من مخلفات التمور المتساقطة ومن ثم قص العراجين بعد انتهاء موسم التمر وهذه كلها عمليات مكلفة وتتطلب توفير عدد مكثف من العناصر البشرية المؤهلة لتسلق أشجار النخيل بينما باقي الأشجار لا تحتاج الا الى القليل من هذه الخدمات فشجرة الغاف مثلا تستطيع بعد سنوات قليلة من زرعها الاعتماد على نفسها ومد جذورها للبحث عن المياه الجوفية كما ان تقليمها يكون للأغصان السفلى فقط وباستطاعة عامل واحد ان يقلم المئات من هذه الأشجار في يوم واحد.

هنالك قرابة الأربعين الف نخلة في جزيرة ابوظبي وحدها وهذه الأشجار تعد حاليا ثروة مهملة وتشكل ضغط شديدا على موازنة البلدية ولهذا فانني اقترح ان يتم الشروع في خطة لإزالة هذه الأشجار وتوزيعها على المواطنين ليزرعوها في منازلهم ومزارعهم وأن توفر البلدية جزءا من ميزانيتها الحالية للعناية بالنخيل لدعم هذه المزارع وان يتم زراعة الأشجار المحلية الأخرى مثل الغاف والسدر محلها مع الإبقاء على عدد محدد من أشجار النخيل امام الوزرات والهيئات الحكومية كشكل جمالي يرمز الى ارتباط ابن الامارات بماضيه وتاريخه .

أشجار النخيل في مدننا تشعر بالغربة والضيق من التلوث والازدحام وقلة الاهتمام بها وبدأت تنتشر حالات الانتحار بين اشجارها فجأة وكأنها تقول لنا بأنها لم تخلق لحياة المدن وبأنها لم تخلق لكي تكون مجرد شجرة زينة على جنبات شوارعنا، النخلة أم الصحراء يا سادة والام متعودة على العطاء ومتى ما سلبنا منها هذه الصفة بدافع حبنا الأناني لها فإننا نهينها من دون أن ندرك ذلك وندفعها إلى الموت البطيء أمام اعيننا فهل نعيد لها كرامتها؟

Share Button

من بلاط الشاه الى سجون الثورة

من بلاط الشاه الى سجون الثورة
25 سبب أدت الى سقوط عرش الطاووس

اثار سقوط نظام الشاه في ايران في العام 1979 ونهاية الحكم الملكي الامبراطوري هناك بعد أن دام قرابة ال500 عام من تاريخ ايران الحديث زوبعة عالمية، فالجميع كان يعلم بوجود قلاقل عميقة في ايران ومنذ سنوات ولكن العالم كان يرى الشاه محمد بهلوي كشخص قوي ممسك بزمام الأمور في امبراطوريته وان اجهزته الأمنية قد تغلغت في كافة مفاصل الدولة لتخلق دولة عميقة يصعب تفكيكها او اختراقها ولكن يبدوا ان ايران في عصر الشاه محمد بهلوي وخصوصا في العشر سنوات الأخيرة من فترة حكمه كانت مجرد بعبع كرتوني ينخره السوس من الداخل منذ فترة طويلة وتهاوي فجأة بعد ان ضعفت أساساته.
في كتاب المفكر الإيراني احسان نراغي ” من بلاط الشاه الى سجون الثورة” يعدد لنا الكاتب ومن خلال نقاشه مع الشاه والذي استدعاه لأخذ رأيه حول ما يجري في ايران من مظاهرات متتالية وكيفية معالجتها الأسباب التي يرى انها كانت سببا في اسقاط نظام الشاه. هناك قرابة خمسا وعشرون سببا جعلت عرش الطاووس وما يمثله من قوة وبطش يسقط امام عمامة الخميني وما تمثله من عدالة مجتمعية وعودة الى روح الإسلام، وحاولت تلخيص هذه الأسباب هنا:

1- عدم تقبل الشعب الإيراني لمحمد رضا بهلوي كملك تجري في عروقه الدماء الملكية ولهذا هم يرون انهم غير ملزمون بالطاعة له فوالد محمد بهلوي كان مجرد جنرال في جيش الشاه احمد ميرزا وانقلب على السلالة القاجارية والتي كانت تحكم ايران منذ العام 1779م والى ان اسقطها في العام 1925 واعلن نفسه شاها لإيران، ولهذا ان حكم سلالة عائلة بهلوي لإيران والتي لم تشمل الا الوالد والابن لم يمتد لأكثر من 50 عاما فقط وهي فترة قصيرة لترسيخ صورته كملك من نسل الملوك.
2- هذا النسب الهزيل لمحمد رضا بهلوي خلق عقدة نقص في نفسه وفي نفوس عائلته ولهذا استحلوا ايران وخيراتها وكأنهم يحاولون إطفاء نهمهم للمال والسلطة، فوالده كان يمتلك عند وفاته قرابة ال 7000 قرية واخوته واخواته كانوا يستغلون قربهم من الملك للاستيلاء على كل ما يعجبهم في ايران من ممتلكات وثروات وكانوا يدفعون أجهزة الدولة لمنحهم المزيد من الصلاحيات والمشاريع التي تدر عليهم أموالا طائلة هم وحاشيتهم من دون وجه حق ومن دون فتح المجال للمنافسة والتجارة الحرة
3- اسهم ذلك في خلق طبقة غنية جدا وهي المتصلة بالملك وعائلته وطبقة فقيرة جدا تعيش كالعبيد فوق أراضيها التي استولى عليها الشاه وحاشيته مع سحق الطبقة المتوسطة عن طريق عدم فتح مجالات التجارة والاستثمار امامهم .
4- الاستعراض المبالغ فيه للثروة من قبل العائلة الحاكمة وحاشيتها مما أوغر صدور الايرانين ضدهم بسبب معرفتهم بأن هذه الثروات تم نهبها منهم
5- الفشل الإداري في الحكومات المتتالية التي ادارت شؤون ايران طيلة حكم الشاه محمد بهلوي والتي استمرت ل38 عاما
6- السبب الأول لفشل حكومات ايران كان الطريقة التي ادار فيها الشاه هذه الحكومات وتدخله في كل التفاصيل الدقيقة لإدارة البلاد، كانت الحكومة في عصر الشاه مجرد دمية يحركها كيفما يشاء ويتخلص منها ويحملها المسؤولية عندما تفشل.
7- إقالة رئيس الوزراء محمد مصدق من قبل الشاه بمعاونة أمريكا وبريطانيا. فعندما برز نجم رئيس الوزراء محمد مصدق كشاب ناجح وعصامي تولى رئاسة الوزراء في العام 1952 وكانت خططه تقوم على إعادة سيطرة ايران على ثرواتها الطبيعية ونشر المساواة بين الإيرانيين ونجح في تأميم صناعة النفط وانهاء الاحتكار البريطاني لها ولكن الشاه تنبه إلى خطورة وجود رئيس وزراء محبوب على عرشه فسارع لى التآمر مع الأمريكيين والبريطانين في العملية السرية التي ادارتها وكالة المخابرات الامريكية والتي تعرف ب ” عملية اجاكس ” والتي أدت الى تحريك الغوغاء ضد مصدق في مظاهرات رتبتها أجهزة الشاه بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الأجنبية لهز صورة مصدق امام الجمهور وتمكين الشاه من اصدار قرار عزله ووضعه تحت الإقامة الجبرية الى ان توفى.
8- ان الطريقة التي عزل فيها الشاة رئيس وزراءه محمد مصدق قد البت الجماهير ضده وباتت تعرف ان حل مشاكلها سيكون بالتخلص من الشاه نفسه لانه سبب المشكلة ولن يكون يوما طرفا في حلها مهما تظاهر بعكس ذلك وأن الشاه لن يتردد في الاستعانة بالقوى الخارجية ضد أبناء شعبه إذا اقتضت الحاجة.
9- كردة فعل على ازدياد كره الجماهير للشاه قرر في العام 1957 انشاء جهاز السافاك وهي منظمة المخابرات والامن القومي وهو الجهاز المكلف بالتجسس على كل شخص في ايران ومتابعة كل شاردة وواردة في ايران والقيام بكل ما هو مطلوب لقمع المعارضين في ايران وخارجها وقد انتشرت سمعة هذا الجهاز كواحد من اقسى أجهزة الامن في العالم واشدها تنكيلا بالمعارضين وهناك روايات تقول ان هناك قرابة ال 3000 إيراني قد قتلوا في سجون هذا الجهاز وحده.
10- تأقلم النظام والأجهزة الحكومية مع رغبات الشاه وبات لا ينقل له الا ما يريد الشاه ان يسمعه ويراه وامتد هذا الخطأ في الإدارة ليشمل حتى الأجهزة الأمنية فلم يتم تنبيه الشاه الى التدني المتواصل في شعبيته والى ازدياد المشاكل اليومية التي يوجهها المواطن الإيراني والى تفاقم المعارضة وانتشارها
11- ازدياد شعبية رجال الدين مستغلين سوء السمعة التي بات الشاه يحظى بها للدخول الى المشهد السياسي وتجييش الشعب الإيراني والمتدين بطبعه الى صفوفهم.
12- الإهمال الواضح من قبل الأجهزة الأمنية لبيان خطر رجال الدين على النظام بل ان رئيس السافاك حسن بكروان لم يهتم بالخطر الذي بات يشكله رجل الدين الخميني على النظام وبدل ان يهمشه او يقضي عليه قام بنفيه خارج البلاد سنة 1964 ومنحه بهذا فرصة ذهبية لانشاء معارضة دينية قوية للشاه خارج ايران وقام ببث رسائله التحريضية للشعب الإيراني عبر وكالات الانباء الأجنبية بكل حرية مما ساهم في توسيع قاعدته الشعبية خلال فترة اقامته في فرنسا.
13- بادر الشاه الى ارسال الطلاب الى الخارج لينالوا التعليم الجامعي في جامعات أوروبا وامريكا وقد قدر عدد هؤلاء بحوالي 200 الف طالب كانت الحكومة هي من تدفع مصاريف دراستهم وابتعاثهم وعاد هؤلاء الطلاب بالقيم الغربية التي تدعو الى الحرية ووالمساواة والديمقراطية فكانوا نواة المعارضة الشابة المثقفة فور عودتهم الى ايران.
14- كان للشاه خطط ضخمة لإيران لجعلها القوة الاقتصادية الخامسة في العالم ولهذا اعتمد في ذلك على تدفقات النفط الهائلة واحتكاره للاموال الناتجة واحتجازها لتنفيذ خططه التي وضعها له الخبراء الأجانب والذين كانوا يركزون على المشاريع الضخمة والمكلفة بدل الالتفات الى المشاريع الواقعية والتي يحتاجها المواطن البسيط. في سبيل ذلك جلب الشاه عددا ضخما من الخبراء الأجانب ليديروا هذه المشاريع ووفق بعض الاحصائيات فإن عدد هؤلاء كان يقارب ال 300 الف خبير مع عوائلهم وكان يدفع لهم رواتب شهرية ضخمة من خزينة الدولة للاستقرار والعمل في ايران وكانوا مثار حسد وسخط الإيرانيين نظير الامتيازات الضخمة التي يحظون بها.
15- أدت هذه الخطط الضخمة الى تضخم تكاليف المعيشة على المواطن البسيط من دون ان تحقق هذه المشاريع المرجو منها كما انه فقد محبة واحترام جيل الشباب لان حلمهم بتكوين دولة عصرية توفر المساواة والرخاء للجميع لم يتحقق على ارض الواقع.
16- كانت المشاريع تقر وتخصص لها الأموال الطائلة من دون تخطيط سليم كقضية صفقة الجرارات الزراعية من كوريا الجنوبية والتي كان يطمح من خلالها الى التطوير الزراعي في ايران فقام باستيراد 300 جرار زراعي ولكنه اكتشف لدى وصولها الى ان الايرانيين لا يمتلكون الخبرة في قيادة هذه الآليات فقام بجلب السائقين من كوريا والذين اضربوا عن العمل بعد عدة اشهر بسبب ظروف المعيشة في ايران وعادوا الى بلدهم وبقيت هذه الآلات الزراعية الباهظة الثمن في المخازن من دون فائدة.
17- كان الشاه يسعى الى ان يكون القوة العسكرية الثالثة في العالم وبدأ ينفق عشرات المليارات على استيراد الأسلحة وتدريب الجيش ولسبب غير معروف، وكانت ميزانية الجيش خارج رقابة الحكومة ولهذا شاب هذه الصفقات الكثير من الفساد وارهق الدولة في التزامات مكلفة وطويلة الأمد من اجل التدريب والصيانة .
18- في السنوات الأخيرة من حكم الشاه بدأت الحاشية بالشعور بقرب انتهاء حكم الشاه ولهذا فإن العديد منهم قد قام بتهريب ثروته الى خارج ايران والفرار لاحقا للإقامة في أوروبا وامريكا ويقدر عدد من فر من ايران في تلك الفترة والى سقوط الشاه قرابة ال 200 الف شخص هربوا عشرات المليارات من الدولارات والتي كسبوها من غير وجه حق الى خارج ايران وافقروا خزانتها من المال.
19- بروز مثقفين أقوياء على الساحة لهم قبول جماهيري وخصوصا بين فئة الشباب ومعارضتهم لنظام الشاه مثل على شريعتي.
20- نشوء ازمة هوية بسبب خطط الشاه السريعة لنشر الليبرالية الأخلاقية في أوساط شعبه المتدين بطبعه .
21- انتشار الماركسية والشيوعية والأفكار الثورية التي تدعو الى حماية حقوق العمال والثورة على النظام الملكي والاقطاعي، كان سبب انتشار الماركسية هو الدعم السوفيتي للحركات والمنظمات المناهضة مثل حركة فداء وحركة بيكار أو المجاهدون الماركسية وحزب توده بسبب أطماع الاتحاد السوفيتي في الأراضي الإيرانية للوصول الى المياه الدافئة وخصوصا وان ايران قد وقعت تحت الاحتلال السوفيتي اثناء الحرب العالمية الثانية وكانت خطوط السكك الحديدية فيها تقوم بنقل المعدات من شواطيء ايران الجنوبية الى الاتحاد السوفيتي بعيدا عن الحصار الألماني ومن ثم محاولة الاتحاد السوفيتي قلقلة النظام في ايران اثناء الحرب الباردة ضد أمريكا بسبب تحالف الشاه مع أمريكا ضد المعكسر الشرقي. بدأت هذه الأحزاب في شن حرب عصابات ضد نظام الشاه ابتداءا من العام 1971 وساعدت الثورة الخمينية في محاربة رجال الجيش والشرطة اثناء قمع المظاهرات المعارضة.
22- قرار الشاه الغريب في العام 1975 بدمج كافة الأحزاب السياسية في حزب واحد أسماه ” راستا خير النهضة ” ففقد دعم هذه الأحزاب لنظامه.
23- بسبب قلة الاهتمام بالارياف وتركيز المشاريع الضخمة في المدن، شهدت المدن الإيرانية وخصوصا طهران هجرة شاسعة من المزارعين اليها مما تسبب في انهيار الصناعة الغذائية في ايران ونشوء الاحياء الفقيرة في طهران والتي بدأت منها الثورة.
24- مرض الشاه بالسرطان في نهاية حياته وضعف ارادته للكفاح ومقاومة المعارضة وتبدى هذا الضعف اثناء حديثه مع الكاتب احسان نراغي وعرضه الاستغناء تماما عن ثروته ومنحها للشعب مقابل وقف الثورة ضده
25- قد يكون انتشار المذهب الشيعي في أوساط الإيرانيين هو مهد الثورات المتتالية في ايران ومنذ ناريخ دخولها في الإسلام والمفتاح الذي استطاع الكثير من رجال السياسة استغلاله للقيام بثورات على الأنظمة القائمة. المذهب الشيعي قائم على التشيع لسيدنا علي ابن ابي طالب وما يمثله من زهد في الدنيا وعدل في الحكم ويعتمد كذلك على إحساس عميق بأن الفساد سيملأ الأرض ولابد من ظهور المهدي المنتظر لينشر العدل، ولهذا فإن أي حاكم لإيران سيجد نفسه محاصرا بين هاتين الشخصيتين .

Share Button

مآتم الكتاب العربي

المنظر العام لمشاهدة ألوف البشر وهي تتزاحم لدخول معرض الكتاب الأخير المقام في العاصمة السعودية الرياض كان مشجعا وباعثا على الفرحة ولكن وفور دخولك للمعرض ستحزن وأنت تشاهد بعينيك القصة الحقيقة والسبب الغريب لتدافع الأغلبية من هؤلاء، ماجرى في معرض الرياض للكتاب لم يختلف كثيرا عن ماجرى سابقا في معرضي الشارقة وقطر وما سيحصل لاحقا في معرض أبوظبي.

فإن كنت ترغب في كتابة كتاب يحمل عصارة أفكارك ونظرتك للأمور الحياتيه المعقدة فأنت لم تعد مطالبا الأن بأن تشرب الحبر وتمضغ أوراق الكتب، كما إنه بإمكانك ان تسقط حتمية قراءة مئات الكتب لتوسيع مداركك وبإمكانك أن تشطب من لائحة أصدقائك كل الأخوة المثقفين ومحبي القراءة، فكل ماعليك فعله هو ان تنشأ حسابا في احد وسائل التواصل الاجتماعي ثم تحاول أن تملئه بكل غث وسمين ويستحسن أن تميل الكفة للغث فمتابعين السمين هذه الأيام أصبحوا قلة بعد انتشار ثقافة المحافظة على الرشاقة في كل شيء . بمجرد أن تحقق رقما مقبولا من أعداد المتابعين ويستحسن ان يكون اغلبهم من المراهقين السذج فأنت مؤهل الان لوضع كل غثك في كتاب رشيق يحمل اسمك وصورتك على صدره وأن تكون صورتك معبرة وكأنها تخبر متابعيك بأنك من سيحملهم بواسطة هذا الكتاب لتضعهم بجانب أفلاطون في فلسفته وفيثاغورس في نظرياته ونيوتن في عبقريته وبأنهم يستطيعون الان ان يضيفوا شرف قراءة كتابك في سيرتهم المهنية عند التقديم للوظائف في كبرى الشركات.

بعد زياراتي لمعارض الكتاب هذه السنة اتضح لي بأن من سيقود معارضنا العربية للكتاب خلال المرحلة القادمة سيكون مهرجي وسائل التواصل الاجتماعي وليس الكاتب المتفرغ لكتابته كعابد نازك لا يبتغي الاجر ولا الشهرة بل السعادة فيما يفعله، انها موجة كاسحة قادمة وبقوة ولن تكتفي بتخريب معنى معرض الكتاب وما يمثله من مكانة راقية ومميزة بل انها كذلك ستهدم الصومعة فوق باقي الكتاب المحترمين لتخلي الساحة تماما للأخوة المهرجين. منظر الكاتب السوداني الشهير والذي كان يجلس وحيدا مهملا في دار النشر التى طرحت أعماله وهو ينظر بحسرة الى الازدحام الخانق من جمهور متعطش للحصول على توقيع وصورة مع احد الشباب من مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي والذي بلغت به الجرأة ان يجمع مجموعة من التفاهات التى اطلق عليها “اسرار الحب” والتى نجح في ان يدغدغ سابقا بها مشاعر متابعيه المراهقين وان يجمعهم حوله وان يضعها في كتاب يحمل اسمه. كان المنظر محزنا وكانت كلمات الكاتب السوداني تطعن في قلب كل من يعشق الكتاب وهو يردد بحسرة مشيرا إلى كتبه” ليتني لم أضيع وقتا ثمينا في كتابة هذه الكتب المهملة لو انني كنت اعرف بأنني سأنافس هذا الديك … في النهاية ، عائلتي ونفسي كانت احق بهذا الوقت من موجة القراء الجهلة الذين ابتليت بهم معارض الكتاب ”

عند محاورتي لأحد هؤلاء من الكتاب الشباب ممن وجد نفسه مشهورا فجأة بسبب برنامج تويتر فاجئني بقوله انه ليس من هواة القراءة ولا يرى ضرورة ذلك ولكنه يعتقد بأن إصدار كتاب يحمل اسمه سيرفع من مقامه في المجتمع بين متابعيه! اصبح الكتاب وسيلة لرفع صاحبه بعد ان كان وسيلة لرفعة المجتمع !

من المحزن ان يتسيد هؤلاء مشهد الثقافة، ان مجرد السماح لهم بذلك يجعلنا جميعا شركاء في الجريمة التى ستخلق جيلا مسطحا تافها يسعى لإقتناء كتاب مجهول ولكنه لا يمتلك ثقافة التمييز بين المفيد من السيء، جيلا يمتلك الوقت لزيارة معرض الكتاب ليس من أجل السعي في رحلة المغامرة والبحث عن كتاب شيق وفريد بل من أجل نيل شرف الحصول على توقيع أحد مشاهير التواصل الاجتماعي، فلتنح النائحات لهذا المصاب، ولتبك الباكيات لهذا الجلل في ما صار يطلق عليه بمآتم الكتاب العربي.

Share Button